فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 656

عليهم السلام، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها كأنه حُصِر عنها، وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات، وقيل: ليست له شهوة في النساء، وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله عز وجل كيحيى عليه السلام، ثم هي في حق من قَدَرَ عليها، وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه درجة عليا، وهي درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن، بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: (( حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ) ) [1] هذا لفظه ..

والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: {هب لي من لدنك ذرية طيبة} [آل عمران: 38] كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعقب، والله سبحانه وتعالى أعلم).

أمَّا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: (( فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب مثله قبله، ولم يذكر له ذنبًا، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ) ) [2] فهذا لا ينفي أن يكون عيسى عليه السلام قد سبق منه الذنب، بل لوجود علة أخرى هي أكبر من الذنب، وهي أنَّ الناس اتخذوه إلهًا من دون الله، فلم يكن مناسبًا والحال كذلك أن يتقدم للشفاعة، أو يتكلم في غير تبرئة نفسه من هذه التهمة الشنيعة، كما قال تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} [المائدة: 116] .

(1) أخرجه البيهقي في الكبرى (7/ 78) عن أنس بن مالك.

(2) سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت