العباد، صلوات الله وسلامه عليه.
واختصاص عيسى بالتأييد بروح القدس يأتي تقابلًا مع اختصاص إبليس بالعداء لعيسى عليه السلام، وهذا الاختصاص راجع إلى قاعدة التوازن التي يتضمنها معنى الحكمة في أفعال الله، ومثالها: تدخل جبريل في غزوة بدر بمجرد تدخل إبليس في الغزوة.
وقد سبق مناقشة موقف عداء إبليس لعيسى باعتباره مثل آدم ..
فعناصر العداء بين إبليس وآدم هي نفسها عناصر العداء الخاص بين إبليس وعيسى.
وباعتبار أن إبليس هو المقابل المطلق لروح القدس، والمؤيد التام للدجال .. كان تأييد روح القدس لعيسى ابن مريم .. المقابل التام للدجال.
ويجب التنبيه على أن اختصاص عيسى بتأييد «روح القدس» لم يُسقط الفارق بين الإنس والملائكة؛ لأنَّ دخول الملائكة في الواقع البشرى له قواعده، وأهم هذه القواعد هو التناسب بين صورة الملك ومهمته التي سيقوم بها وتَمَثَّل من أجلها، مثلما جاء جبريل في غزوة بدر آخذًا بعنان فرسه، وفي غزوة الأحزاب .. لابسًا زيَّ الحرب.
إن جبريل بطبيعة الملائكة لم يكن في حاجة إلى فرس أو زي للحرب، ولكن التدخل كان من أجل المنازلة في حرب بشرية، فكان لا بد من تناسب الصورة الملائكية مع الحرب البشرية، فركوب الفرس وارتداء زي الحرب تغير في الصورة لا في الطبيعة، بينما الأكل والشرب بخلاف ذلك.
وعندما جاء جبريل لتعليم الناس دينهم .. جاء وجلس جلسة العلم أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس واضعًا ركبتيه أمام ركبتي الرسول، واضعًا يده على فخذيه؛ لأن المهمة كانت نيابة عن الأمة، فجاء في صورة أحد أفرادها، وكان على صورة أجمل الرجال، واسمه دحية الكلبي.
ويفسر ذلك أيضًا حديث الرجل الذي سافر لأخيه حبًّا في الله، فتمثل له ملك في صورة بشر، لتعلق الأمر بالحب في الله بين البشر.