فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
يرى الحق حقًّا، أو يراه على خلاف ما هو عليه، أو ينقص إدراكه له وتفسد به إرادته له، فيبغض الحق النافع، أو يحب الباطل الضار، أو يجتمعان له وهو الغالب، ولهذا يفسر المرض الذي يعرض له تارة بالشك والريب، كما قال مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] أي: شك، وتارة بشهوة الزنا، كما فسر به قوله تعالى: {فيطمع الذي في قلبه مرض} [الأحزاب: 32] ، فالأول مرض الشبهة، والثاني مرض الشهوة، والصحة تحفظ بالمثل، والشُّبَهُ والمرض يدفع بالضد والخلاف، وهو يقوى بمثل سببه، ويزول بضده، والصحة تحفظ بمثل سببها، وتضعف أو تزول بضده، ولما كان البدن المريض يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح: من يسير الحر والبرد والحركة ونحو ذلك- فكذلك القلب إذا كان فيه مرض آذاه أدنى شيء: من الشبهة أو الشهوة، حيث لا يقوى على دفعهما إذا وردا عليه، والقلب الصحيح القويُّ يطرقه أضعاف ذلك، وهو يدفعه بقوته وصحته.
وبالجملة .. فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد مرضه وضعفت قوته، وترامى إلى التلف، ما لم يتدارك ذلك بأن يحصل له ما يقوي قوته ويزيل مرضه.
ومرض القلب نوعان: نوع لا يتألم به صاحبه في الحال، وهو النوع المتقدم كمرض الجهل، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات، وهذا النوع هو أعظم النوعين ألمًا، ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم، ولأن سكرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم، وإلا فألمه حاضر فيه حاصل له، وهو متوارٍ عنه باشتغاله بضده، وهذا أخطر المرضين وأصعبهما، وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم، فهم أطباء هذا المرض.