عينيه، ولا ينام قلبه )) [1] وفي ذلك كان عبيد بن عمير يقول: رؤيا الأنبياء وحي .. [2] لأنه يتلقى الوحي بقلبه، وقلبه لا يغفل.
ولأجل أهمية معنى الوحي كحياة بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان لحياته اعتبارين: الاعتبار الرسالي، والاعتبار الشخصي، فلما انتهى الاعتبار الرسالي، خُيِّر في الحياة بالاعتبار الشخصي، فاختار الموت، لترتبط حياته بالاعتبار الرسالي فقط، ولتكون حياته هي الوحي فقط، وبذلك يكون الوحي فقط: هو حياة الرسول صلى الله عليه وسلم .. !
ومعنى تخيير رسول الله بعد انتهاء الوحي للحياة أو الموت هو أن حياته في حال نزول الوحي هي حياة متعلقة بالوحي كلية، وأن حياته بالاعتبار الشخصي مسألة أخرى يخير فيها .. ولذلك جاء قول الله عز وجل: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] وكانت آخر ما نزل من القرآن من السور.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله ) )فبكى أبو بكر فقال الصحابة: ما بال الشيخ يبكي؟! [3] لأنهم لم يدركوا ما أدركه أبو بكر، وكان آخر ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: (( بل الرفيق الأعلى ) ) [4] فقالت فاطمة: إذن لا يختارنا، ولذلك قال ابن عباس في تفسيرها: (ينعي بها الله أجل رسوله صلى الله عليه وسلم) .
وبناء على هذا الفهم كانت علاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل، فكان جبريل ضرورة حياة بالنسبة للرسول، حتى إن جبريل كان يدارس الرسول مرة كل عام، فلما كان العام الذي مات فيه دارسه القرآن مرتين، وذلك لحساب الأيام التي يعيشها دون أن يدرك رمضان بعد ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيق غيابه، حتى أنه سأله: (( ألا تزورنا
(1) البخاري (821) من حديث ابن عباس.
(2) المصدر السابق.
(3) البخاري (454) ، مسلم (274) .
(4) أحمد (26389) .