رابعًا: يبقى من الموقف التفسير النفسي، فلماذا حاول رسول الله هذه المحاولة؟
ووجه الغرابة في الأذهان جاء من عدم إدراك حقيقة علاقة الوحي برسول الله صلى الله عليه وسلم .. فالوحي حياة .. {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] .
والمقصود: هو جبريل، وهو ملك الوحي وملك الحياة، ولذلك كان الوحي حياة باعتبارهما وظيفة واحدة لملك واحد، ومن هنا كان مثل الذي يقرأ القرآن والذي لا يقرأه مثل الحي والميت، وكذلك مثل الوحي كالماء الذي ينزل من السماء وكان مَثَلُ الذي لا يستجيب للقرآن مثل الأرض البور {وكنتم قوما بورا} [الفتح: 12] .
ووصف الوحي بالحياة ليس مجازيًا؛ لأن هناك آثار حسية للقرآن في كيان الإنسان، فالقرآن للاستشفاء، ولذلك جاء في تفسير قول الله تعالى: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} [الفرقان: 30] أي: تركوا الحكم به والاستشفاء به وتلاوته، حتى كانت الفاتحة رقية من السم، إذ إن الرجل الذي لدغته العقرب قام وكأن لم يكن به وجع بعد قراءة الفاتحة عليه.
ولذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم الله قائلا: (( أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ) ) [1]
فالحياة بالقلب، وأجمل الحياة هي الربيع، فكان القرآن أجمل حياة، وليس مجرد حياة، ولأجل أن القرآن أجمل حياة لا يتفق أن يُردَّ صاحب القرآن إلى أرذل العمر .. !
وإذا كان هذا الأمر بالنسبة للمؤمنين فما هو أثر الوحي بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟
لقد كان معنى الوحي بالنسبة لرسول الله حياته هو؛ لأنه هو الذي تلقى، وهو الذي بلَّغ، ولذلك كان لهذا الأمر عدة مقتضيات:
أولًا: أن يتنزل الوحي على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، والحياة لا تكون إلا بالقلب {على قلبك لتكون من المنذرين} [الشعراء: 194] ولذلك كان قلب رسول الله لا يغفل (( تنام
(1) أحمد (4318) من حديث ابن مسعود.