عن عائشة رضي الله عنها قالت: سُحِر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه لَيُخَيَّل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله .. ودعاه .. ثم قال: (( أشَعَرتِ يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته؟! جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مَطْبُوب، قال: ومن طَبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: في ماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجَفِّ طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان ) )فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر، فقال: (( هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين ) )فاستخرجه [1]
قالوا: فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد سُحر، فأين عصمة الوحي .. ؟
الثابت بالحديث الصحيح أن أثر السحر على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُهَيَّأ له أنه يأتي الشيء ولم يكن يأتيه، وهذا معناه أن أقصى تأثير للسحر في رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في علاقته بزوجاته ومعاشرته لهن، وهذا الجانب لا علاقة له بالوحي، مما يعني أن أثر السحر لم يخرج عن أخص خصائص النبي الشخصية .. مما يثبت معنيين في آنٍ واحد:
الأول: ابتلاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالسحر ..
والثاني: وعصمة قدرته على تبليغ الوحي ..
ولكي نفهم العلاقة بين أثر السحر ومقام النبوة يجب أن نفهم حقيقة الوحي .. فالوحي كان يتنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم {على قلبك لتكون من المنذرين} [الشعراء: 194] ولذلك كان قلب رسول الله لا يغفل (( تنام عينيه، ولا ينام قلبه ) ) [2] ومن هنا كانت رؤى الأنبياء وحي؛ لأنه يتلقى الوحي بقلبه، وقلبه لا يغفل.
وقد ينشا تساؤل يقول: أنه كان من الممكن أن ينجي الله الرسول صلى الله عليه وسلم من سحر اليهود كلية دون هذا الأثر؟
(1) البخاري (3095، 5432، 5433، 5716) ، ومسلم (2189) .
(2) البخاري (821) من حديث ابن عباس.