والواقع أن هذا الأثر هو الإثبات الحقيقي لنجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر؛ لأن إثبات النجاة يتطلب إثبات حدوث السحر ذاته ثم النجاة منه .. وهذا الأثر كان بمقدار إثبات حدوث هذا السحر.
وأحيانًا تكون عصمة الله للرسول صلى الله عليه وسلم بنجاته من الفعل، وأحيانًا تكون بنجاته من أثر الفعل بعد أن يحدث ..
ومثال الحالة الأولى: محاولة اليهود إلقاء حجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أتى النبي صلى الله عليه وسلم اليهود وجلس بجوار جدار لهم، فتمالئوا على إلقاء صخرة عليه من فوق ذلك الجدار، وقام بذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فأتاه الخبر من السماء، فقام مُظهرًا أنه يقضي حاجة، ورجع مسرعًا إلى المدينة.
ولعلنا نلاحظ أن جبريل نزل من السماء السابعة ليسبق الحجر قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله أراد منع الفعل ..
أما مثال الحالة الثانية: فعندما أكل النبي صلى الله عليه وسلم اللقمة المسمومة، لم يكن ذلك تأخرًا من جبريل، ولكن الله شاء أن يقع الفعل، ويُبتلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسُمِّ، دون أن يقع أثره، وهو الموت في الحال، ثم يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكمل رسالته، حتى إذا انقضى أجله صلى الله عليه وسلم، ظهر أثر السُّم .. لينال الرسول صلى الله عليه وسلم شرف الشهادة .. !
وكما أثبت موقف محاولة التردي من الجبل حقيقة العلاقة بين الوحي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من الناحية النفسية ..
أثبت موقف السحر التفسير الحقيقي للعلاقة بين الوحي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من الناحية القلبية، يجب أن يكون فهم قول الله سبحانه وتعالى: {نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} [الإسراء: 47] .
إذ أن ادعاء الكفار بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل مسحور- ليس له علاقة بحادثة السحر؛ لأن الادعاء كان منذ أعلن رسول الله وحدانية الله؛ لأن الآية جاءت بعد قوله سبحانه: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا} [الإسراء: 46] .