وتتميز المرحلة الثانية من حياة المسيح بامتلائها بالدلالات المثبتة للحكمة من خلق عيسى أصلًا، ثم نزوله بعد رفعه.
وأحاديث النزول هي النصوص الجامعة لهذه الدلالات ..
وأساس هذه الدلالات هو إثبات عبودية عيسى عليه السلام، وأهم هذه الدلائل هي وصف النبي صلى الله عليه وسلم لعيسى حال النزول عند استفحال فتنة الدجال: (( فبينما هم كذلك إذ بعث الله عيسى ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء -شرقي دمشق- بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه ينحدر منه جمان كاللؤلؤ ) ) [1] .
مكان النزول
وكما كانت الدقة في إثبات الحكمة من النزول والتعبير عن النزول كانت كذلك في كيفية النزول ..
وقد تجلت هذه الدقة في تحديد مكان النزول: (( عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ) )، وهذا المكان موضعه اليوم في المسجد الأموي بدمشق.
يقول الإمام ابن تيمية: (كان جامع دمشق وجامع حران وغيرهما موضع بعض هياكلهم -أي الصابئة- هذا هيكل المشترى، وهذا هيكل الزهرة) [2] .
وهذا يثبت رمزية المكان، التي تتفق في معناها مع معنى النزول، حيث لا يبقى للصابئة ولا لليهود ولا للنصارى - الذين تناوبوا على هذا المكان - أي أثر، بعد أن
(1) سبق تخريجه.
(2) ذكر الإمام ابن عساكر في تاريخ دمشق أن هذا المكان كان معبدًا لوثن الصابئة الأكبر: جوبيتر، ثم ملكه اليهود، ثم أقام فيه النصارى كنيسة، ثم فتحه خالد بن الوليد رضي الله عنه، وبنى عليه الوليد بن عبد الملك المسجد الأموي.
ويقول عبد المسيح بن إسحاق الكندي: (ومن آثارهم -أي الصابئة- القبة التي فوق محراب، عند المقصورة من جامع دمشق، وكان مصلاهم، كان اليونانيون والروم على دينهم، ثم صارت في أيدي اليهود فعملوها كنيستهم، ثم تغلب عليها النصارى فصيروها بيعة، إلى أن جاء الإسلام وأهله فاتخذوها مسجدًا) .