مسخرة لهذا الإنسان، بحيث يستطيع التعامل معها وتوظيفها في حفظ حبائه (1) ولعل خلق تلك السنن الكونية الثابتة التي هي أساس العلم الحديث هو مظهر من مظاهر التسخير الإلهي (2)
ولقد من الله الإنسان من اكتشاف واستيعاب تلك المعارف ليوظفها في منفعته، وفي ذلك تمكين الإنسان من اكتشاف العلوم في مجالات الطب والفيزياء والكيمياء والهندسة وسائر العلوم، فوظفها في حفظ حيانه و منفعنه، فلو لم يخلق الله قانون الجاذبية بشكله الدقيق الثابت، وهو سنة کونية سخرها الله للإنسان، لعجز عن بناء الجسور والمنشآت ومعظم وسائل التنقلات، سواء أكانت في الطائرة أم في القطار أم في السيارة، وكل ذلك بلا ريب فيه منفعة للإنسان. وإن تلك السنن الكونية الثابتة فيها استمرارية وجود الإنسان، بعدما سخرها الله مذللة له، بحيث يستطيع بما أودعه الله من قوة استيعابها وتسخيرها للحفاظ على وجوده في هذا الكون حتى يشاء الله خلاف ذلك.
وإن استشعار تلك السيادة البشرية على الطبيعة يجعل الإنسان بقدر مركزه في الوجود، فيعمل على استثمارها للغرض الذي أوجد الإنسان له، بينما ترى عباد الوثن يهولهم شأن بعض عناصر أو مظاهر الكون فينخذونها آلهة كالشمس أو النار.
إن تسخير الله الأرض للإنسان واستخلافه فيها يقتضيان انتفاعه بما رزقه الله من خيرات، فأمره بالسعي لتحصيلها ابتغاء من فضل الله. قال تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(60) (3) . لذلك كان السعي في طلب الرزق والعمل في سبيل عمارة الأرض امتثالا
(1) عماد الدين خليل، حول إعادة تشكيل العقل المسلم، بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 405 1 م. 1985 م، ص 92
(2) عبد المجيد التجار، قيمة الإنسان، مرجع سابق، ص 78 - 79
(3) سورة البقرة: الآية 10