الحضاري إلا بعد إيمان بمقصده، وبذل لأقصى طاقاته وجهده، واغتنام الدقائق العمر وثوانيه، وتحمل كل الصعاب التي يلقاها في طريقه بصبر وعزيمة ومضاء وصدق وصمت (1) .
وهذه العقيدة كانت تنورة للأجيال من بعد الصحابة، يقول الشيخ محمد أبو زهرة: «إن العقيدة وحدها هي التي دفعت قتيبة بن مسلم لأن ينساب بجيوشه المؤمنة من أرض العرب إلى أن يصل إلى الصين، وبجناز بلاد ما وراء النهر والهند هادية مؤمنة مجاهدة، يحمل في قلبه إيمانا وفي يده سيفا بنارة يشق ظلام الشرك والجهالة. وهذا موسى بن نصير، ورئيس أركان حربه طارق بن زياد المؤمن، يسير قاطعة شمال إفريقية حتى يصل
طارق إلى المغرب، ويجتاز البحر بجيشه حتى يصل إلى ساحل الأندلس فيحرق سفنه، ولم يبق له ولجنده إلا العقيدة المؤمنة الدافعة، والسيوف المشهورة المحاربة، ويقول بقوة إيمان، وسر الحقيقة بنطقه: العدو أمامكم، والبحر من ورائكم، وهو بهذا يبث فيهم روح الإيمان والفداء والإقدام (2
إن عقيدة الإسلام وشريعته العادلة قد رفعت أمتنا إلى مقام کريم، برفعة الفضائل وسمو الأهداف، وإن المنهجية التي ارتضاها الإسلام لبناء الحياة، وتوجيه الحضارة الإنسانية هي المنهجية المثلى التي تتصف بتلكم الخصائص التي تتفق مع طبيعة وجبلة هذا الإنسان، ولقد أنتجت من القيم والتصورات والركائز الحضارية الممتزجة المجتمعة ما لم تنتجها أية مذهبية أخرى ما لم تتصف بالأوصاف ذاتها، ذلك لأنها ليست نابعة من تجربة جماعية ترتبط بظروف معينة، بل هي خصائص متصلة بالحقائق الأزلية
(1) خلدون الأحدب، سوانح و تأملات في قيمة الزمن، مرجع سابق، ص 98 - 99.
(2) محمود شبت خظاب، بين العقيدة والقيادة، بيروت، دار الفكر، الطبعة الأولى،
(د. ت) ، ص 19.