كان - رحمه الله تعالى - يزور القرافة كل يوم جمعة، فكان يزور من عرف من الأموات، ومن لم يعرفه، وكان عندما يرى القبور يبكي ويقول: الذكر الوارد في ذلك ثم يقول: ما منهم أحد إلا وهو يشتهي أن يصلي ركعتين، أو يقول: لا إله إلا الله ولو مرة واحدة، فاستغنموا عمركم، وكان يزيد الرقاشي - رحمه الله تعالى - إذا زار المقبرة يبكي ويقول: ليت شعري بأي أعمالكم اغتبطتم واستبشرتم، ثم يصرخ كما يصرخ الثور.
وكان هشام الدستوائي - رحمه الله تعالى - إذا زار المقابر ورجع إلى داره يمكث أياما لا يستضيء بسراج ويقول: أتذكر ظلمة القبر، وكان عمر ابن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - يزور قبور آبائه من بني أمية ويقول: كأنكم يا آبائي لم تشاركوا أهل الدنيا في لذة ولا نعيم، وكان يقول: ما أحسن ظواهر هذه القبور وإنما الدواهي في بوطانها، وقد رأى الحسن البصري - رحمه الله تعالى - رجلا يضحك في المقابر، فقال له: أما يكفيك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره ذلك.
وكان سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - يقول: إن الميت يفتن في قبره سبعة أيام، ولذلك استحبوا التصدق عنه تلك المدة مساعدة له حتى يلقن حجته. وكان عبد الله بن عمر - يقول: مررت على مقبرة، فرأيت شخصا خارجا من قبر وهو يتلهب نار من فرقه إلى قدمه، فقال لي: يا عبد الله اسقني ماء، فلا أدري أعرفني باسمي أم ناداني كما ينادي الرجل من لا يعرفه، فأردت أن أسقيه، فقال لي الموكل به: لا تسقه، ولا زال يضربه بالسوط حتى رجع إلى قبره فانطبق عليه.
وكان عطاء السلمي - رحمه الله تعالى - كثيرا ما يخرج بعد العشاء إلى المقابر، فلا يزال يناجيهم إلى الصباح ويرجع، وكان يقول: يا أهل المقابر متم فواموتاه، وعاينتم أعمالكم فواعملاه
وقد مر عبد الله بن عمر رضي الله عنه ? يوما على مقبرة، ففرش رداءه وصلي ركعتين هناك، فقيل له في ذلك، فقال: ذكرت أهل القبور وقد حيل بينهم