لم تجدني متخلقا به فعذري عذرك فيه، وكثيرا ما أكرر الخلق مرارا بعبارات مختلفة اقتداء بالقرآن العظيم، وبصحيح الإمام البخاري وغيره من كتب الأدلة، وبيانا للاعتناء بشأن ذلك الخلق، وكثرة تساهل الناس بترکه كما أقول في بعض الأوقات: وهذا الخلق قد صار غريبا في هذا الزمان، ولا أعلم أحدا من أقراني تخلق به غيري، إشارة لقلة من تخلق به الأقران لا ازدراء للإخوان كما قد يتوهم معاذ الله أن أقصد مثل ذلك.
وكان من الباعث الأعظم لي على تأليف هذا الكتاب ما رأيته من تفتيش جماعة مولانا السلطان سليمان بن عثمان في النصف الثاني من القرن العاشر على ما اختلسه العمال وغيرهم من ماله نصرة له، وما رأيت أحدا من علماء الشرع يفتش على ما اندرس من معالم أخلاق الشريعة المحمدية نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل جماعة مولانا السلطان نصره الله، فأخذتني الغيرة الإيمانية على الشريعة، وألفت هذا الكتاب كالمبين لما اندرس من معالم أخلاقها في دولة علماء الظاهر والباطن، فهو نافع لكل فقيه وصوفي في هذا الزمان لا يكاد أحد منهم يستغني عن النظر فيه كما ستعرفه عند مطالعتك الكتاب إن شاء الله تعالى، وهو كالسيف القاطع العنق كل مدع للمشيخة في هذا الزمان، وبغير حق لأنه يفلسه حتي يري نفسه منسلخة من أخلاق القوم كما تنسلخ الحية من ثوبها، وإني أعرف بعض جماعة بلغهم أمر هذا الكتاب فتكدروا، ولو أمكنهم سرقته وغسله لفعلوا خوفا أن ينظر فيه أحد ممن يعتقدهم، فيتغير اعتقاده فيهم حين يراهم بمعزل عن التخلق بأخلاق القوم الذين يزعمون أنهم خلفاؤهم، وكان الأولى بهم الفرح والسرور به، فإنه کله نصح، ولا يجد أحد منهم من ينصحه بمثله في مثل هذا الزمان، وقد ألف أخي الشيخ أبو الفضل - رحمه الله - ميزانا في نصح إخوانه وغيرهم نحو خمسة أوراق فكتبوها بماء الذهب واللازورد، وفرحوا بها أشد الفرح، فرضي الله عن الصادقين آمين.
وكان تأليفي لهذا الكتاب بحسب الوقائع التي تقع مني ومن أصحابي،