الكتاب كالمبين لما اندرس من أخلاق القوم بعد الفترة التي حصلت بعد موت الأشياخ الذين أدركناهم في النصف الأول من القرن العاشر، فقد أدركنا بحمد الله تعالي نحوا من مائة شيخ كان كل واحد منهم يستسقى به الغيث: كسيدى على المرصفى، وسيدي محمد الشناوي وسيدي محمد بن داود، وسيدي أبي بكر الحديدي، وسيدي عبد الحليم بن مصلح، وسيدي أبي السعود الجارحي، وسيدي تاج الدين الذاكر، وسيدي محمد بن عنان، وسيدي على الخواص وغيرهم ممن ذكرناهم في كتاب طبقات العلماء والصوفية، فكل هؤلاء كانوا على قدر عظيم في الزهد والعبادة والورع، وكف الجوارح الظاهرة والباطنة عن استعمالها في شيء مما نهاهم الله عنه، وكان أحدهم لا يقبل شيئا من أموال الولاة ولو كان في غاية الضيق، بل يطوى ويجوع حتى يجد شيئا من الحلال، ولم يكن أحد منهم يعاني رکوب الخيل، ولا الملابس الفاخرة ولا الأطعمة التنفيسة، ولا يتزوج المنعمات، ولا يسكن في القاعات المرخمات، إلا إن وجد ذلك من حلال في نادر من الأوقات، وكان الملوك يعرضون عليهم الرزق والجوالى والمساميح والمرتبات من بيت المال فيأبون ذلك، ويقولون مال السلطان إنما هو معد لصرفه في المصالح، وإقامة شعائر الدين، وإنفاقه على الجند الذابين عن المسلمين، ونحن ليس فينا نفع لأحد ..
وكان أحدهم يقنع بالكسرة اليابسة يفتها في الماء، ويغمسها بملح ويكتفي بها، منهم: الشيخ أمين الدين العمري، والشيخ محمد المغربي شيخ الهلال السيوطي، ودخل عليه السلطان قايتباى مرة وهو يأكل رغيفا يابسا بله في الماء، فعرض عليه ألف دينار فردها وقال لا حاجة لي بها وانشد السلطان يقول:
اقنع بلقمة وشربة ماء ولبس الخيش
وقل لعقلك: ملوك الأرض راحوا بيش
فحصل للسلطان عبرة ويکي، وحمل الألف دينار، فأين حال هؤلاء المشايخ من مشايخ هذا الزمان الذين يسافرون من مصر أو الحجار أو الشام إلى الروم أو العراق ليسألوا أن يرتب لهم السلطان جوالي، أو مسموحا، أو