فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 319

رجله، وإن وجدته غير متخلق به، فاضرب عنه صفحا من غير ازدراء له، وكل أمره إلى الله تعالى، فأكرم به من کتاب جاء على حين فترة من أيام الرجال الصادقين مجددا لما هدم من أخلاق القوم كما درج عليه العلماء العاملون في كل عصر، فيأتي أحدهم مجددا بمؤلفاته ما اندرس من معالم الطريق كالحارث المحاسبي، وأبي طالب المكي، وأبي نعيم، وأبي القاسم القشيري، والإمام الغزالي، والشهاب السهروردي، وغيرهم -

وقد كان من آخر المجددين في القرن الثامن سيدي الشيخ أبو عبد الله محمد العمري المدفون بالمحلة الكبرى - رحمه الله تعالي - فكانوا يسمونه فقيه الصوفية، فإنه ضبط في مؤلفاته أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخلاق السلف الصالح، ولا أعلم أحدا جاء بعده حذا حذوه في ضبط أخلاق القوم غيري بحمد الله تعالى كما ستراه إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب، ولو أن أحدا فعل ذلك في هذا العصر غيري لکنت دللت الإخوان على مطالعة مؤلفه، وكنت لم أتعب نفسي في تأليف هذا الكتاب، لأنه يصير حينئذ لا فائدة فيه، ولعل قائلا يقول: إن مطالعة كتابك هذا تكشف عورات الفقراء من أهل العصر، فهلا أسبلت ذيل الستر على إخوانك، فإنه لا يعد أحدا يعتقده في أحد من مشايخ هذا العصر، فنقول لهذا القائل: إن جمهور العلماء والصوفية من السلف قد سبقونا إلى التأليف في مثل ذلك، وبينوا أخلاق الصالحين من الطالحين، والصادقين من الكاذبين، والمتفعلين من المخلصين، ولم يلتفتوا إلى كون ذلك يلزم منه کشف سوأة من كان بخلاف الصفة من أخلاق السلف الصالح.

قال الله تعالى {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] فهو وإن لزم من بيان صفات الصالحين هتك أستار الكاذبين، فلا حرج عليهم في ذلك لقصدهم بالأصالة الخير للمسلمين، ومعلوم أن الإثم إنما هو تابع للقصد نظير ما قاله العلماء في الجنب يقرأ القرآن لا بقصد القرآن أنه لا يأثم، قالوا لأنه لا يكون قرآنا إلا بالقصد، ويؤيد ذلك ما ذهب إليه جمهور علماء الأصول من أن لازم المذهب ليس مذهب، فعلم أنه يجب حمل أشياخ الشريعة والحقيقة الذين حطوا على أهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت