وكان الحسن البصري - رحمه الله تعالى - يقول: لولا الفقر والمرض والموت ما طأطأ ابن آدم رأسه من شدة الكبر، ثم مع ذلك هو وثاب على معاصي الله تعالى، وقد شكا الأحنف بن قيس - رحمه الله تعالى - وجع ضرسه لعمه، فقال له: يا أحنف أراك تشكو وجع ضرسك من ليلة واحدة، والله إن لي بذلك نحو ثلاثين سنة ما أظن أن أحدا شعر بذلك غيرك. وكان أبو سليمان الداراني - رحمه الله تعالى - يقول: مر موسى عليه الصلاة والسلام يوما برجل قد خرقت السباع بطنه ونهشت لحمه، فعرفه موسي، فوقف عليه وقال: يارب إنه كان مطيعا لك، فماذا الذي أري؟ فأوحى الله إليه يا موسي إنه سألني درجة لم يبلغها بعمله، فأبتليته لأبلغه تلك الدرجة. وقد كان كعب الأحبار - - يقول: من شكا مصيبة نزلت به إلى غير الله تعالى لم يجد للعبادة بعد ذلك حلاوة حتى يتوب الله تعالى عليه. وكان وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - يقول: أوحى الله تعالى إلى العزير عليه السلام: إذا نزلت بك بلية فاحذر أن تشكوني إلى خلقي، وعاملني كما أعاملك، فكما لا أشكوك إلى ملائكتي إذا صعد إلى عملك القبيح كذلك لا ينبغي أن تشكوني إلى خلقي إذا نزل بك بلاء.
وقد بلغني أنه لما أهلك الله تعالى جميع مال أيوب عليه الصلاة والسلام دخل بيته ونزع ثيابه وقال: هكذا خرجت إلى الدنيا وكذا أخرج منها، وقد أوحى الله إلى داود عليه الصلاة والسلام يا داود اصبر على المؤنة تأتيك من الله المعونة. وقد كان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالي - يقول: لو كانت الدنيا نعيما لا كدر لكانت هي الجنة، ولم نحتج إلى الانتقال منها، وكان محمد بن الحنفية - رضي الله عنه - يقول: احذر من الشكوى، فإنها تفرح عدوك، وتحزن صديقك. اه .. فاعلم يا أخي ذلك، وكن صابر تغنم، والحمد لله رب العالمين.
ومن أخلاقهم - رضي الله تعالى عنهم-: كثرة التسليم لأمر الله تعالى، والرضا بقضائه عند فقد ولد أو أخ أو أحد من الأهلين والأقارب إيثارا لمراد الله عز وجل على مرادهم. وقد مات مرة ولد لداود عليه الصلاة