صفرة - رحمه الله تعالى - يقول: لقد أدركنا الناس وأحدهم يدخل دار أخيه وهو غائب فيرى السلة مملوءة فاكهة، فيأخذها يأكل منها، ويفرق منها بغير إذن، فإذا جاء أخوه وأخبره فرح بذلك. وقد كان لمحمد بن سيرين - رحمه الله تعالى - بغل مربوط في دهليزه فكان كل من احتاج إلى ركوبه أخذه وركبه من غير استئذان لما يعلمون من طيب نفسه بذلك، وكان عبد الله بن المبارك مع شدة ورعه يكتب من محبرة إخوانه بغير إذن. وقد دعي مسلم بن زياد - رحمه الله تعالى - إلى وليمة فأبطأ، ثم ذهب، فلما رآه صاحب الوليمة قال له: إنك قد أبطأت. وقد أكل الناس الطعام وذهبوا وما بقي شيء، فقال له مسلم: لعل القصاع قد بقي فيها شيء نلحسه، فقال له: إنا قد غسلناها، فقال: لعل القدور قد بقي فيها شيء، فقال: وقد غسلناها أيضا، فقال له: لعل کسرة من خبز، فقال له: لم يبق عندنا ولا لقمة واحدة، قال: فتبسم عند ذلك مسلم ورجع، فقالوا له: إنك لم تتكدر منه ونحن نراك قد تبسمت، فقال: إن الرجل قد دعانا بنية صالحة، وردنا كذلك بنية صالحة، فعلام نتكدر منه؟
وقد دخل جماعة دار سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - وهو غائب، فأخذوا ما يأكلون وجلسوا يأكلون ويتحدثون في صلاح سفيان، فبينما هم كذلك إذ أقبل سفيان فوجدهم على تلك الحالة فبكى، فقالوا له: ما يبكيك؟ قال: كيف لا أبكي وقد ذكرتمونى بأحوال السلف الصالح، وعاملتموني بأخلاق الصالحين، ولست منهم، وكان بقية بن الوليد - رحمه الله - يدخل دار صديقه في غيبته، ويأخذ القدر من على النار ويضعه على باب الدار فيأكل منه ويفرق على الفقراء والمساكين، فإذا جاء أخوه فرح بذلك، وقال: جزاك الله من أخ صالح خيرا قدمت مالنا اليوم معادنا. وقد كان جعفر بن محمد رضي الله عنه يقول: بئس الأخ من لا يتجرأ أخوه أن يفتح كيسه في غيبته، ويأخذ منه ما يحتاج إليه بغير إذنه. قلت: قد يترك أحدهم ذلك لا لما يعلمه من أخيه من البخل، بل قياسا على نفسه. والله أعلم.