ويقع من أحدهما ما يكره الآخر، فينبغي لكل من الأخوين أن لا يلقى أخاه إلا غبا، وكان أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - يقول: سيأتي على الناس زمان لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبر، ولا يستقيم لهم الغنى إلا بالبطر والبخل، ولا يستقيم لهم صحبة الناس إلا باتباع الهوى، فمن أدرك ذلك الزمان وصبر وحفظ نفسه أعطاه الله تعالى ثواب خمسين صديقا.
وكان - رضي الله عنه - يقول: بلغنا أنه لا تكون راحة المؤمن في آخر الزمان إلا إن كان خامل الذكر بين الناس. وقد بلغ الفضيل بن عياض أن ولده عليا - رحمهما الله تعالى - يقول: وددت أني بمكان أرى الناس منه ولا يروني، فقال أبوه: هلا أتمها، فقال: لا أراهم ولا يروني، وكان وهيب بن الورد - رحمه الله تعالى - يقول: خالطت الناس خمسين سنة إلى يومي هذا، فما وجدت أحدا منهم غفر لي زلة، ولا قال لي عثرة ولا أمنته على نفسي إذا غضب مني. وكان حاتم الأصم - رحمه الله تعالى - يقول: اجعل الناس كالنار، فلا تدنو منهم إلا عند الحاجة، وإذا دنوت منهم فكن على حذر كما تحذر من النار إذا دنوت منها. وكان أبو الدرداء - رضي الله عنه - يقول: من خالط الناس فلا بد أن يخربوا عليه قلبه، وكان جعفر بن حميد - رضي الله عنه - يقول: الحق أنه لا بد لك من الناس، ولا بد للناس منك، فليكن كل منكما على حذر من الآخر، وقد كان إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - في سفر، فلما قدم منه قالوا لسليمان الخواص - رحمه الله - ألا تلقى إبراهيم؟ فقال: أخاف إذا لقيته أن أتزين له بكلام فأهلك. وقد كان الحسن بن صالح - رحمه الله تعالى - يقول: لقد أدركنا الناس وهم يتحابون من بعيد، ويكرهون اللقاء. وكان الربيع بن خيثم - رحمه الله - يقول: لا ينبغي لأحد أن يعتزل للعبادة إلا بعد التفقه في دينه، فقد كان الإمام مالك - رضي الله عنه - يقول: تفقه ثم اعتزل يعني عن الناس، وكان عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - يقول: خير جلوس الرجل في قعر بيته لا يرى ولا يرى. وكان سفيان - رحمه الله تعالى - يقول: والله لقد حلت العزلة عن الناس. وقلت: يعني