الدرجات، فقد رام المحال. وقيل أيضا: لا تخرق لعبد العادات إلا إن زاد على الناس في العبادات، وذلك لأن الكرامات فرع المعجزات فكما تميز النبي -صلى الله عليه وسلم - بكثرة الطاعات والمعجزات، فكذلك الولي لا يقع له كرامة إلا إن جاوز أقرانه في الجهد والطاعات، وفي الحديث: «المجاهد من جاهد نفسه في الله عز وجل. وقد كان أمير المؤمنين على - رضي الله عنه - يقول: أول ما تنكرون من الجهاد جهاد نفوسكم. وكان أبو مالك الأشعري - رضي الله عنه - يقول: ليس عدوك الذي إن قتلته آجرك الله عليه، ولكن عدوك الذي بين جنبيك -يعني النفس، وامرأتك التي تضاجعك، وولدك الذي من صلبك فهؤلاء أعدى عدو لك.
وكان خضر القارئ - رحمه الله تعالى - يقول: نحت الجبال بالأظافر حتى تتقطع الأوصال أهون من مخالفة الهوى إذا تمكن في النفس. وكان بشر الحافي - رحمه الله تعالى - يقول: ستون من مردة الشياطين لا يفسدون ما يفسده قرين السوء في لحظة. وستون من قرناء السوء لا يفسدون ما تفسده النفس في لحظة، وإذا جعلت الأمور كلها على وفق المراد للعبد أتاه الخلل فيها من قبل نفسه، وقد أجمع سائر الملل على أن رضا الرب جل وعلا من مكروه النفس. وكان يحيى بن معاذ - رحمه الله - يقول: الدنيا كلها محشوة بالعجائب، وأعجب العجائب نجاة نفوسنا ونفوس أمثالنا من النار، وكيف ينجو من النار من كل أعماله تجره إليها. وكان إبراهيم بن أدهم - رحمه الله تعالي - يقول: أصاب شخص من الزهاد سهم فذبحه، فقال: الحمد لله الذي أخذ لي بثأري من نفسي. فكم ذبحتني من ذبح. وكان يحيى بن معاذ - رحمه الله تعالى - يقول: أنا أعلم شقاوتي من الآن، فقيل له مرة: وكيف ذلك؟ قال: لأنهم قالوا: من علامة سعادة المرء أن يكون عدوه عاقلا، وأنا أري خصمي لا عقل له، فقالوا: ومن هو خصمك؟ قال: نفسى فقيل له: