رأسه حتى لحق بالجبال، فاجتمعت إليه السياع. فقال: ارجعوا لست أريدكم إنا أريد كل بكاء على خطيئته مثلي، ومن لم يكن بذا خطيئة فماذا يصنع
داود الخطاء؟ وقال كعب الأحبار خوف. كان الناس إذا لاموا داود عليه الصلاة والسلام على طول البكاء يقول: ذروني أبکي قبل بكاء اليوم الطويل، قبل تحريق العظام، واشتعال اللحي بالنار، قبل أن يؤمر بالعيد إلى جهنم فتسحبه ملائكة غلاظ شداد. وقد كان عبد العزيز بن عمير - رحمه الله تعالى - يقول: لما أصاب داود عليه الصلاة والسلام الخطيئة نقصت قوته، وبح صوته. فقال: إلهي قد بح صوتي في صفاء أصوات الصديقين، فأوحى الله إليه إن الصديقين لا يخطئون. وقد كان وهب بن منبه - رحمه الله تعالي - يقول: كان داود عليه الصلاة والسلام قبل وقوعه في الخطيئة يقول: اللهم لا تغفر لمن عصاك غيرة لجناب الحق عز وجل. فلما وقع في الخطيئة صار يقول: اللهم اغفر لكل خطاء حتى تغفر لعبدك داود معهم، وكان مجاهد ? رحمه الله تعالى - يقول: لما اشتد البكاء على داود عليه الصلاة والسلام ولم يرا البكاء ينجح قال: يا ربه أما ترحم بكائي؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود نسبت ذنبك وذكرك بكاءك؟ فقال: إلهي كيف أنسى ذنبي، وكنت إذا تلوث الزبور كف الماء الجاري عن جريه، وسكن هبوب الريح، وأظلني الطير، وأنست الوحوش إلى محرابي فما هذه الوحشة التي بيني وبينك يا رب؟ فأوحى الله إليه: يا داود ذاك أنس الطاعة، وهذه وحشة المعصية. يا داود آدم خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي، وأسجدت له ملائکتي، وألبسته ثوب کرامتي وتوجته بتاج وقاري، وشكا إلى الوحدة فزوجته بحواء أمتي، وأسكنته جنتي، فلما عصاني مرة واحدة بأكله من الشجرة طردته من جواري عريانا ذليلا، يا داود اسمع مني ما أقول والحق أقول: أطعتنا فأطعناك، وسألتنا فأعطيناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن عدت إلينا قبلناك.
قلت: اعلم أن الذي يجب على كل مسلم أن يعتقد أن خطايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تعقل لأمثالنا، بل ربما تقرب أحدنا بها إلى الله تعالى، ولا يجوز حملها على ما نتعقله نحن من المعاصي التي نهانا الله عنها. فاحفظ يا أخي نفسك ولسانك في حق أكابر حضرة الله تعالي