أسودان من مجرى الدموع، ولما رمدت عينا ثابت البناني - رحمه الله تعالي - وضعف بصره قال له الحكيم: إن تركت البكاء والسجود أمكنني مداواتك، فقال ثابت: وما حياتي في الدنيا بغير هذين اذهب فلا حاجة لي بعداوتك. وقد قالوا لمالك بن دينار - رحمه الله تعالي - ههنا شخص حسن الصوت بالقرآن أفلا تأتيه فتسمعه؟ فقال: إن الثكلى لا تحتاج إلى نائحة. وقد كان الضحاك بن مزاحم - رحمه الله تعالى - يبكي كل ليلة عند الغروب حتى تبتل لحيته ويقول: إني أخاف أن يكون قد صعد من عملي في هذا اليوم ما يسخط ربي، وكان مكحول الدمشقي - رحمه الله تعالى - يقول: إذا رأيتم أحدا يبكي، فظنوا به خيرا، فإني نظرت مرة إلى رجل يبكي، فظننت به أنه مراء، فعوقب بحرماني البكاء سنة. وكان يزيد بن ميسرة - رحمه الله تعالي - يقول: البكاء يكون من خمسة أشياء: من الفرح والحزن، والوجع، والفزع والرياء،. وسادسها البكاء من خشية الله تعالى، وهو يأتي صاحبه بغتة ولا يكون بالتفعل، وهذا هو الذي تطفئ الدمعة منه أمثال الجبال من النار.
وكان كعب الأحبار -جو يقول: إن العبد ليبکي حتى يرسل له الله عز وجل ملكا، فيمسح عينيه بجناحيه وحينئذ يبكي العبد من خشية الله تعالي. وكان مجاهد - رحمه الله تعالى - يقول: بکي داود عليه الصلاة والسلام أربعين يوما لا يرفع رأسه من السجود حتى نبت المرعي من دموعه، وغطى رأسه حياء من الله عز جل، فنودي: يا داود أجيعان أنت فتطعم، أم
ظمآن فتسقى، أم عريان فتكسي؟ فأجيب داود من غير ما طلب حتى تبلغ المؤاخذة حدها. قال: ثم نحب داود نحبة هاج منها العفود، فاحترق من حر جوفه، ثم أنزل الله تعالى عليه التوبة والمغفرة فقال: يارب اجعل خطيئتي في كفي، فصارت خطيئته منقوشة في كفه، فكان لا يبسط كفه لطعام ولا شراب ولا غيرهما إلا رآها وبکي. وكان يؤتى القدح من الماء ليشربه، فما يضعه على شفتيه حتى يقبض من دموعه، ولم يرفع بصره إلى السماء بعد ذلك حياء من الله تعالى إلى أن مات عليه الصلاة والسلام.
وكان الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى - يقول: بلغني أن داود عليه الصلاة والسلام ذکر ذنبه ذات يوم، فذهب صارخا واضعا يده على