كان صلى الله عليه وسلم يقول: إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل رجل استظل تحت شجرة ثم راح وتركها ...
وقد كان سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى - يقول: الزهد ثلاثة أحرف، فمعنى الزاي أن تترك زينة الدنيا، ومعني الهاء أن تترك هوى نفسك، ومعنى الدال أن تترك الدنيا بأسرها، فإذا فعلت ذلك فأنت زاهد. وكان إبراهيم بن أدهم - رحمه الله تعالى - يقول: الزهد على ثلاثة أصناف: فرض ويكون في الحرام، وواجب ويكون في الشبهات، وسنة ويكون في الحلال، قال: ولذلك كان الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الذهب والفضة لأنك تبذلهما في تحصيلها. وقد كان أبو سليمان الداراني - رحمه الله تعالى - يقول: ليس للرجل أن يحمل أهله وعياله على الزهد في الدنيا وإنما عليه أن يدعوهم إليه. فإن أجابوه وإلا زهد في نفسه وأتاهم بما يصلحهم، وكان - رحمه الله تعالى - يقول: كل ما أشغلك عن ربك من أهل أو مال أو غير ذلك فهو مشؤوم
عليك.
قلت: وذلك لأن الله تعالى جعل الموجودات كلها مذكرة للعبد بربه عز وجل، وهناك تكون مباركة عليه بخلافها إذا حجبت العبد عن ربه، ومن هنا
كان الولد والمال أعظم فتنة للعبد لأنه لا يصح الإقبال على الله تعالى مع الميل إليهم فافهم وقد بلغ وكيعا - رحمه الله تعالى - أن سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - أكل الطباهيج، فعاب ذلك عليه وقال: إن الناس يقتدون بك في أكل الشهوات. وكان بلال بن سعد - رحمه الله - يقول: لو لم يكن لنا إلا رغبتنا في الدنيا بعد أن زهدنا الله فيها لكان في ذلك كفاية من الذنب، وقد كان أبو سليمان الداراني - رحمه الله تعالى - يقول: قد سمعنا في الزهد كلاما كثيرا، وأحسن ما رأيناه فيه أنه الزهد في كل شيء يشغل عن الله تعالى حتى العلم والعمل.