قلت: يعني بأن دخل فيهما الرياء والعجب، أو حب ثناء الناس، أو نحو ذلك، وإلا فمن أخلص في علمه وعمله لا يصلح في حقه الزهد في ذلك، لأن الإخلاص فيهما مما يجمع قلب العبد على ربه عز وجل، والله أعلم، وقد قال رجل مرة لسفيان بن عيينة - رحمه الله تعالي - دلني على زاهد أجلس إليه من العلماء، فقال له: يا هذا تلك ضالة لا توجد، وكان يحيي بن معاذ - رحمه الله تعالى - يقول: الزهد كله تعب نفس، فمتي مال صاحبه إلى الراحة في الدنيا، فقد رجع عن الزهد حينئذ. وكان محمد ابن سيرين - رحمه الله تعالى - يقول: قد طلبوا الإمام أبا حنيفة للدنيا، فهرب منها، وطلبنا نحن الدنيا فهربت منا. فانظروا ما بين الرجلين، وكان يوسف بن أسباط - رحمه الله - يقول: طلبت من الله تعالي ثلاث خصال: أن أموت وليس ملکي درهم ولا على درهم، ولاعلى عظمي لحم، قال: ف
مات - رحمه الله - كذلك. وقد أرسل الخليفة مرة بجوائز إلى الفقهاء فقبلوها، وأرسل إلى الفضيل بن عياض عشرة آلاف درهم فردها فقال له أولاده: قد قبل الفقهاء ذلك، وهم قدوة الناس فهلا قبلت أنت الآخر؟ فبكى وقال: ما مثلي ومثلكم إلا كمثل قوم لهم بقرة يحرثون
عليها، فلما هرمت قالوا لبعضهم: اذبحوها قبل أن لا تنتفعوا بجلدها ولحمها، وكذلك أنتم تريدون ذبحي على كبر سني، فاصبروا على الجوع خير لكم من أن تذبحوني، فقالوا: ما عندنا شيء نقوت به اليوم، قال: فأخذ سكينا وقطع لهم قطعة من بساط بال كان تحته، وقال: اشتروا بثمن هذه شيئا تأكلونه. وقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام من رؤوس الزهاد، فكان يلبس الشعر، ويأكل من ورق الأشجار، وليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب، ولا يدخر قوت غد، وأي مكان أدركه المساء نام فيه. وقيل له مرة: يا روح الله ألا تتخذ لك حمارا تركبه؟ فقال: إني أكرم على الله من أن يشغلني بخدمة حمار وكان عليه الصلاة والسلام يقول للحواريين: بحق أقول لكم: إن أكل نخالة الشعير مخلوطة بالرماد والنوم على المزابل مع الكلاب، وليس المسوح الخشنة لكثير على من يموت، قال: ولم يتخذ له عليه السلام فرشا ولا مخدة ولا قصعة، وقد وضع مرة لبنة تحت رأسه