فجاءه جبريل عليه السلام - وقال له: يا عيسي ركنت إلى الدنيا بعد زهدك فيها، وجعلت تحت رأسك مخدة من لبن؟ قال: فمن ذلك الوقت صار بنام جالسا إلى أن رفع عليه الصلاة والسلام، وكان يقول: لبني إسرائيل: عليكم بالماء القراح، والبقل البرى، ونخالة الشعير، وإياكم وخبز البر فإنكم لن تقوموا بشكر نخالة الشعير.
وقد اشترى أمير المؤمنين علي ? رضي الله عنه ? قميصا بثلاثة دراهم وهو إذ ذاك خليفة، وقطع كميه من موضع الرسغين ولبسه وقال: الحمد لله الذي هذا من رياشه. وكان الحسن البصري - رحمه الله تعالي - إذا لبس القميص لا ينزعه حتى يخلق. وقيل له مرة: ألا تغسل قميصك؟ فقال: الأمر أعجل من ذلك. وقد كان الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى - يقول: لو أن الدنيا كانت بأسرها تحت يدي ما فرحت بها، ولو أن أحدا أخذها كلها من يدي ما تبعته ولا حزنت عليها. وكان - رحمه الله - يتقوت من سقاية الماء بمكة كان له جمل ينقل عليه الماء ويبيعه ويتقوت هو وعياله منه. وكان عبد الواحد بن زيد - رحمه الله تعالى - يقول: من ضبط بطنه ضبط دينه، وقد كانت بلية ابيكم آدم عليه الصلاة والسلام أكلة واحدة، وهي بليتكم إلى يوم القيامة، فاعلموا ذلك.
قلت: المراد بالبلية هنا الاختبار، وهو اختيار الحق سبحانه بني آدم هل يصبرون على ترك شهواتهم أو يقعون فيها، وأما اختبار آدم - صلى الله عليه وسلم - فإنما كان صوريا أوقعه الحق تعالى على يديه ليعرف ما يقع من بنيه إذا وجدوا من باب إطلاع رسله على الغيب، وليعرفه بما وقع على يديه كيف يتوب بنوه إذا وقعوا فيه، فالخطاب له والحكم لغيره كما أوضحنا ذلك في کتاب الأجوبة عن الأكابر. ومن نطقه بالحكمة يعني القوم .. لما أحكموا الزهد في الدنيا قول إبراهيم بن أدهم - رحمه الله تعالى - ليس بعاقل من ارتكب الذنب، ومنه قول وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - من قال فيك من الخير ما ليس فيك، فلابد أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من ساء به الظن، وقوله: إياكم وما يعتذر منه. وكان الحسن البصري - رحمه الله - يقول: ما رأيت يقينا