لئلا يهون في أعين الناس، ولو كشف الله الحجاب عن قلب العبد إذا ضيق عليه المعيشة، ورأى ما أعد الله تعالى له في الجنة لسأله أن يزيده من الضيق في الدنيا، وقد جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم - رحمه الله تعالى - بعشرة آلاف درهم فلم يقبلها منه، وقال له: تريد أن تمحو اسمي من ديوان الفقراء بدراهمك هذه وتحبسني عن دخول الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام اذهب عافاك الله تعالى، وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام يا موسى إذا رأيت الدنيا مقبلة عليك فقل: ذنب عجلت لي عقوبته.
وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - والله يقول: ثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب: رجل أراد أن يغسل ثوبه فلم يجد له خلقة يلبسها، ورجل لم ينصب على مستوقده قدرين، ورجل طلب شرابه فلا يقال له: أيهما تريد ..
وكان الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى- يقول: رأيت في منامي محمد بن واسع ويوسف بن أسباط - رحمهم الله - واقفين على باب الجنة فنظرت أيهما يدخل أولا فإذا هو يوسف بن أسباط فقلت لملك كان هناك: لم دخل هذا قبل هذا؟ فقال: لأنه كان له قميص واحد وكان لهذا قميصان. وقد وقع مرة حريق بالبصرة فخرج الناس بما لهم من الأمتعة، وخرج مالك بن دينار - رحمه الله تعالى - ومصحفه معلق في عنقه، وقال: هكذا نخرج من قبورنا غدا، وقد كان عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - يقول: من أكرم الغني وأهان الفقير فهو ملعون، فإن حب الفقراء من أخلاق المرسلين، والفرار من صحبتهم من صفات المنافقين، وكان إبراهيم ابن أدهم - رحمه الله تعالى - يقول: كان الفقراء في مجلس سفيان الثوري - رحمه الله تعالي - کالأمراء وقد جاءه مرة رجل فقير فجلس بعيدا عنه فقال له: تقرب يا أخي، فلو كنت غنيا ما قربتك، وكان أبو حازم - رحمه الله تعالى - يقول: من خاف من الفقر لم يرفع له عمل إلى السماء لأنه ما خاف الفقر إلا لتهمته لربه عز وجل، والمتهم لله عدو لله، وفي الحديث:"جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في"