على أنفسهم أن يقعوا في كراهة قضاء الله تعالى، فلم يكن خوفهم من البلاء إلا لما فيه، ووالله ما أدري ماذا يقع مني لو ابتليت فلعلي أكفر ولا أشكر.
وقد بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني إني حملت الصخر والحديد، فلم أر شيئا أثقل من الدين، وأكلت الطيبات، وعانقت الحسان فلم أر شيئا ألذ من العافية، وذقت المرارات كلها، فلم أذق شيئًا أمر من الحاجة إلى الناس. وكان الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى - يقول: ابکوا على أهل البلاء وإن كان جرمكم أعظم من جر مهم فيحتمل أنكم تعاقبون على ذنوبكم كما عوقبوا أو أشد. وكان كثيرًا ما يبعث إلى أهل السجن بما عنده من الطعام والدراهم، ويقول: إنهم مساكين. وكان سهل بن سعد التستري - رحمه الله تعالى - يقول: من أعظم ما يبتلى به العبد الفراغ من أعمال الدنيا والآخرة، ولكن لا يشعر به أنه بلاء إلا القليل من الناس. وكان مسلم بن قتيبة - رحمه الله تعالى - يقول: من أعظم المروءة الصبر على أذى الرجال، ولقد أدركنا الناس وهم يعدون الإمارة أعظم بلاء ونراهم اليوم يطلبونها، وكانوا إذا تولى صديقهم الإمارة يقولون: اللهم أنسه ذكرنا حتى يصير لا يعرفنا ولا نعرفه.
وكان يحيى بن الحسين - رحمه الله تعالى - يقول: من طلب السلامة احتمل الملامة، وكان يقول: البلاء كله ينشأ من العافية، ولو أن فرعون أصابه المرض ما قال الذي قاله، وهو قوله: أنا ربكم الأعلى [النازعات: 74] ، وقد سمعت سيدي عليًا الخواص - رحمه الله تعالى - يقول: من أعظم البلاء وقوع العبد في الرياء بعلمه وعمله، ولكن لا يشعر بذلك إلا قليل من الناس. فاعلم ذلك وفتش يا أخي نفسك، وإياك أن تقول كما قال بعض المحبين حين ابتلي: اللهم إن كان في هذا رضاك، فزدني منه. فإن رجال البلاء إنما هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد كان الإمام الشافعي رضي الله عنه
مبتلى بمرض البواسير، فكانت تنضح عليه دمًا ليلًا ونهارًا حتى كان -رضي الله عنه- يجلس للحديث، والطشت تحته يقطر فيه الدم، فقال يومًا: اللهم إن كان في هذا رضاك فزدني منه، فسمعه شيخه الإمام مسلم بن خالد الزنجى_