يسود، واشتد مني ما كنت أحب أنه يلين، ولان مني ما كنت أحب أنه يشتد. انتهي.
فتأمل يا أخي ما ذكرته لك واستغنم شبابك، ورفع مشيبك بكثرة الاستغفار، فلعلك تجبر ما انصدع من دينك، والحمدلله رب العالمين.
ومن أخلاقهم -رضي الله عنهم- حسن أدبهم مع الصغير فضلا عن الكبير، ومع البعيد فضلا عن القريب، ومع الجاهل فضلا عن العالم، وقد قال تعالى لموسى وهارون: {فَقولا لَهُ قَولًا لَيِّنًا} [طه: 44] (طه: 44]، مع أن فرعون كان من أفسق الكفار. وأجمعوا على أن علو الدرجات إنما يكون بزيادة الأدب، والأصل في الأدب شهوة النقص في أنفسهم، والكمال في غيرهم عکس من كان قليل الأدب. وقد كان -صلى الله عليه وسلم - يكره الرجل أن يحد النظر إلى أخيه. وكان ميمون بن مهران إذا دعي إلى وليمة جلس مع الصبيان والمساكين من الرجال، وترك الأغنياء وكان سعيد بن عامر يقول: من وصف إنسانًا بما ليس فيه لعنته الملائكة، فقال له رجل يوما وهو لا يعرفه: يا أصلع، فقال له: يا أخي إن كنت لغنيًا عن لعن الملائكة لك. وكان على بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: أعلم الناس بالله أشدهم تعظيما لأهل لا إله إلا الله، وكان بكر بن عبد الله المزني يقول: إذا رأيت من هو أكبر منك فعظمه وقل: إنه سبقني إلى الإسلام والعمل الصالح، وإذا رأيت من هو أصغر منك فعظمه، وقل في نفسك: إني قد سبقته إلى الذنوب، وإذا كرمك الناس فقل: هذا من فضل الله على لا أستحقه، وإذا أهانوك فقل: هذا بذنب أحدثته، وإذا رميت كلب جارك بحصاة فقد آذيته.
وكان وهب بن منبه يقول: لما أكثر بنو إسرائيل المسائل على موسى- عليه الصلاة والسلام - وأبرموه أوحى الله تعالى في يوم واحد إلى ألف نبي ليكونوا أعوانا له تكرمة لموسى، فمال الناس إليهم، فوجد موسي من نفسه غيرة، فأماتهم الله في يوم واحد، قلت: غيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محمودة لخروجهم من حظ النفوس بالعصمة، وليست إماتة الله تعالي لهؤلاء الأنبياء عقوبة، وإنما ذلك لما سبق في علمه تعالى في انتهاء