آجالهم بعد معاونتهم لموسى عليه الصلاة والسلام، وكان محمد بن واسع يقول: لا يبلغ العبد مقام الإحسان حتى يحسن إلى كل من صحبه ولو ساعة، وكان إذا باع شاة يوصي بها المشتري، ويقول: قد كان لها معنا صحبة. وكان حاتم الأصم يقول: قد قلت أخلاق الرجال في ثلاث: تعظيم أخلاق الإخوان، وستر معايبهم، واحتمال أذاهم.
وكان يحيى بن معاذ يقول: بئس القوم قوم إن استغنى بينهم المؤمن حمدوه، وإن افتقر أذلوه، وما مشى صغير قدام كبير إلا عوقب بحرمان الخيرات. ومدحوا عند الفضيل بن عياض رجلا وقالوا له: إنه لا يأكل الخبيص، فقال: وما ترك آكل الخبيص؟ أنظروا كيف صلته الرحم، انظروا كيف كظمه الغيظ، انظروا كيف عطفه على الجار والأرملة واليتيم، انظروا کيف حسن خلقه مع إخوانه؟ وكان أحمد بن حرب يقول: مثل الذي يعلم الناس الخير ويرشدهم إليه مثل من استأجر أجراء يعملون له بأبدانهم وأموالهم الليل والنهار في حياته وبعد مماته.
وسمع يحيى بن معاذ رجلا يتمنى مالا، فقال له: ماذا تصنع به؟ فقال: أجود به على المقلين، فقال: دع المقلين تكون مؤنتهم على الله النصير تحبهم، فإنهم إذا صارت مؤنتهم عليك أبغضتهم، وثقلوا على قلبك. وكان يقول: من تعظيم أخيك المسلم إذا مات له ميت في بلد أخرى أن تسافر إلى تعزيته وخرج أبو معاوية الأسود من الشام إلى مكة ليعزي الفضل في ولده علي، ولم يخرج لحج ولا عمرة، وكان أبو بكر الصديق سوف يقول: من سره أن يظله الله تعالي من نار جهنم يوم القيامة، فليكن بالمؤمن رحيما رفيق القلب. وكان محمد بن المنكدر يقوم الليل، وإذا طلبت أمه أنه يغمز رجلها إلى الصباح يرى ذلك أفضل من صلاته. قلت: وقد قالوا مثل ذلك في حق شيخ الإنسان، وكان كهمش بن الحسن يقول: كنت أخدم أمي، وأرفع القذر من تحتها، فأرسل إلى سليمان بن على بصرة وقال: اشتر بها خادما يخدم أمك فأبيت، وقلت: إن والدتي لم ترض غيرها لخدمتي وأنا صغير فكذلك لا أرضى غيرى لخدمتها وأنا كبير.