الأكل تملكوا قيام الليل. وكان ثابت البناني يصلى الليل كله ويقول لأهله: قوموا فصلوا، فإن قيام الليل أهون من مكابدة أهوال يوم القيامة، وكان أبو الجويرية يقول: صحبت الإمام أبا حنيفة لا أفارقه ستة أشهر، فما رأيته وضع
جنبه إلى الأرض في ليلة منها، قالوا: ولم يكن لأبي حنيفة فراش في الليل: وكان سفيان الثوري يقول: ما رأيت أعبد من أبي حنيفة، ولا أزهد ولا أورع منه. وكان الفضيل بن عياض يقول: بلغنا أن الله تعالى يقول حين يتجلى من الليل: أين المدعون لمحبتي في النهار؟ أليس كل محب يحب الخلوة بحبيبه؟ فها أنا الآن مطلع على أحبابي يكلموني على الحضوره ويخاطبوني على المشاهدة، وغدا أقر أعينهم في جنتي.
وكان المغيرة بن حبيب يقول: رمقت عيناي ليلة مالك بن دينار وقد انتصب بين يدي الله تعالي من العشاء قابضا عن لحيته، فما زال يبكي ويقول: يا رب ارحم شيبة مالك إلى أن طلع الفجر. قال: ورمقت عبد الواحد بن زيد شهرا فرأيته لا ينام من الليل شيئا. وكان يقول لأهل الدار كل ساعة مضت من الليل: يا أهل الدار انتبهوا فما هذه دار نوم عن قريب يأكلكم الدود. وكان صهيب العابد رقيقا لامرأة بالبصرة، وكان يقوم الليل كله، فقالت له سيدته يوما: إن طول القيام بالليل يضرك بخدمتك بالنهار فقال لها: ماذا أصنع؟ وإذا ذكرت جهنم طار نومي. وكان أزهر بن مغيث رضي الله عنه- يقول: رأيت ليلة حوراء من أجمل النساء فقلت لها: لمن أنت؟ فقالت: لمن يقوم الليل في ليالي الشتاء. وكان العلاء بن زياد يقوم الليل كله. فقالت له امرأته: ألا تستريح لك لحظة فأطاعها، فأتاه آت في منامه، وأخذ بمقدم شعر رأسه، وقال: قم فصل ولا تضع حظك من عبادة ربك. فقام فوجد تلك الشعرات واقفة، فلم تزل واقفة حتى مات.
ونام إبراهيم بن أدهم ليلة في بيت المقدس، فسمع صوتا من جانب الصخرة يقول: قيام الليل يطفئ لهب النهار، ويثبت الأقدام على الصراط، فلا تتساهل في قيام الليل، فما ترکه بعد ذلك حتى مات، فاعلم ذلك يا أخي وأعمل به، والحمد لله رب العالمين.