قال الحافظ ابن حجر في مقدمة"الإصابة" [1] : (( وأطلق جماعةٌ أنّ من رأى النّبي - صلى الله عليه وسلم - فهو صحابيّ، وهو محمول على من بلغ سنّ التّمييز؛ إذ من لم يميّز لا تصح نسبة الرؤية إليه، نعم يصدق أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - رآه فيكون صحابيًا من هذه الحيثيّة، ومن حيث الرّواية يكون تابعيًّا ) ).
وقال في موضع آخر [2] : (( القسم الثاني: من ذُكر في الصّحابة من الأطفال الذين وُلدوا في عهد النّبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض الصّحابة من النساء والرّجال ممن مات - صلى الله عليه وسلم - وهو في دون سنّ التمييز؛ إذ ذِكر أولئك في الصّحابة إنّما هو على سبيل الإلحاق؛ لغلبة الظنّ على أنّه - صلى الله عليه وسلم - رآهم لتوفر دواعي أصحابه على إحضارهم أولادهم عنده عند ولادتهم ليحنّكهم ويسمّيهم ويبرّك عليهم [3] ... ) ).
وقال في"الفتح" [4] : (( عبد الله بن عمرو الخولانيّ صحابيّ، ومن حيث الرّواية تابعيّ كبير، وقد ذُكر في الصحابة؛ لأنّ له رؤية، وكان مولده عام حُنين [5] ) .
وهذا النّص صريح في أنّ ابن حجر يطلق على هذا الصنف اسم الصّحبة دون حكمها [6] .
(1) الإصابة 1/ 7.
(2) الإصابة 1/ 4.
(3) تقدمت الإشارة إلى ذلك في المبحث الثاني: طرق إثبات الصحبة (ص 49) .
(5) يعني في السنة الثامنة للهجرة فيكون له عندما قبض النّبي - صلى الله عليه وسلم - سنتان وبضعة شهور.
(6) وعلى هذا التفصيل ينبغي أن تحمل أقوال ابن حجر الأخرى التي فيها إطلاق الصّحبة أو نفيها لمن له رؤية، ممّا قد يفهم منها التعارض والتناقض، مثل قوله في (عبد الله بن عامر بن ربيعة بن حنيف الأنصاريّ) : (( له رؤية، ولأبيه صحبة ) )"فتح الباري"6/ 81.
وقوله في (أبي أمامة بن سهل بن حنيف) : (( له رؤية، ولأبيه صحبة ) )المصدر السابق 9/ 663.
فإنّه يفهم من هذين المثالين أنّه لا يثبت لهما صحبة، لكن بالنّظر إلى ما قرّره في"الإصابة"يتضح مقصوده، وهو أنّه يريد نفي الصّحبة المطلقة المستلزمة أن يكون حديثه مسندًا لا مرسلًا، أمّا الصّحبة المقرونة بالرؤية فهي ثابتة له، كما يدل على ذلك قوله في عامر بن مسعود بن أمية الجمحي ـ وقد جزم بأنّه وٌلد قبل الفتح بقليل ـ: (( لم تثبت له صحبة السّماع من النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان معدودًا في الصّحابة؛ لأنّ له رؤية ) ). الإصابة 6/ 94 ـ 95.
وكذلك قوله في (بشير بن أبي مسعود) : (( تابعيّ جليل، ذُكر في الصّحابة؛ لكونه وُلد على عهد النّبي - صلى الله عليه وسلم - ) ). الفتح 2/ 5.
وقوله في (محمد بن أسلم) : (( تابعي أرسل حديثًا ... وقد ذكره ابن عبد البر في"الاستيعاب"، وقال: (( حديثه مرسل ) )؛ وإنّما ذكره لأنّ له رؤية )) . لسان الميزان 5/ 76.
فالمراد بالتّبعية المثبتة هنا هي التي من حيث الرّواية، فيكون حديثه مرسلًا كحديث التّابعي تمامًا، لكنه يفارقه من حيث الرؤية؛ فله نصيب من الصّحبة، والله أعلم.