الاتصال أو لا؟ وأفاد أنّها لا تدلّ على الاتصال ـ: (( وقد اغتُفرت في الصّحابة، كقول الصّحابي: (( قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) )، فحكمها الاتصال إذا كان ممن تيقّن سماعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان لم يكن له إلا مجرد رؤية، فقوله: (( قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) )محمول على الإرسال، كمحمود بن الرّبيع، وأبي أمامة بن سهل، وأبي الطّفيل، ومروان )) .
ففرّق بين مَن ثَبَتَ سَماعُه، وبين مَنْ لم يَثْبُتْ له سَماعٌ، وإنّما له رؤية مجرّدة فحسب.
ولذلك قال في ترجمة (طارق بن شهاب الأحمسيّ) : (( رأى النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وغزا في خلافة أبي بكر غير مرّة، وأرسل عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - ) ) [1] .
لكونه لم يسمع من النّبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا، كما جزم بذلك أبو داود وغيره [2] .
ومن أهل العلم مَن حملها على الاتصال، كالنّووي، فإنّه نقل عن أبي داود قولَه في حديثٍ: (( طارق بن شهاب قد رأى النّبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يسمع منه شيئًا ) ) [3] فتعقبه النّووي بقوله: (( وهذا الذي قاله أبو داود لا يقدح في صحة الحديث؛ لأنّه إن ثبت عدم سماعه يكون مرسلَ صحابيّ، ومرسل الصّحابي حجّة عند أصحابنا وجميع العلماء [4] ، إلاّ أبا إسحاق الإسفراييني ) ) [5] .
وقال العلائي في ترجمة (يسير بن عمرو) : (( روى عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - حديثين، ولم يَذكر سماعًا، ويقال له رؤية، وأنّه أدرك من حياة النّبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين، قاله غير واحد، ولا يبعد أن تلحق أحاديثه مراسيل الصّحابة رضي الله عنهم إذا لم يكن له سماع ) ) [6] .
قلت: والذي يظهر أنّه إذا ثبتت صحبتهم فالأصل في مراسيلهم أنّها تعامل معاملة
(1) سير أعلام النبلاء 3/ 487.
(2) سنن أبي داود 1/ 644 حديث (1067) .
(3) وقع في كلام أبي داود زيادة مهمة من رواية ابن داسة عنه، وهي قوله بعد ذلك: (( يعدّ من أصحاب النّبي - صلى الله عليه وسلم - ) )وسيأتي التنبيه عليها عند ترجمة (طارق بن شهاب) في (ص 623) .
(4) سبق بحث هذه المسألة في المبحث الخامس: مراسيل الصّحابة (ص 92 وما بعدها) .
(5) المجموع شرح المهذّب 4/ 349.
(6) جامع التحصيل (911) .