والتّحقيق: أنّ الجاهليّة نوعان:
1 ـ جاهليّة عامّة مطلقة، وهي التي كانت قبل بعثة النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمّا بعد مبعثه - صلى الله عليه وسلم - فلا جاهليّة مطلقة.
كما جاء في"الصّحيحين"عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أنّه قال: (( يا
رسول الله، إنّا كنّا في جاهلية وشرّ فجاءنا الله بهذا الخير ... )) [1] .
2 ـ جاهليّة خاصّة مقيّدة، وهي التي تكون في بعض الأزمنة، والأمكنة، والأشخاص، والأحوال.
وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال: (( النّاس قبل مبعث
الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا في حال جاهليّة، منسوبة إلى الجهل، فإنّ ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنّما أحدثه لهم جاهل، وإنّما يفعله جاهل.
وكذلك كلّما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهوديّة، ونصرانيّة، فهي جاهليّة.
وتلك كانت الجاهليّة العامة، فأمّا بعد مبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد تكون في مصر دون مصر
ـ كما هي في دار الكفّار ـ، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرّجل قبل أن يسلم، فإنّه في جاهليّة، وإن كان في دار إسلام.
فأمّا في زمان مطلق فلا جاهليّة بعد مبعث محمّد - صلى الله عليه وسلم -، فإنّه لا تزال من أمّته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام السّاعة [2] .
والجاهليّة المقيّدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص المسلمين، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (( أربعٌ في أمّتي من أمر الجاهليّة ) ) [3] .
(1) انظر:"صحيح"البخاري 4/ 317 (7084) ، و"صحيح"مسلم 3/ 1475 (1847) .
(2) مقتبس من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، أخرجه البخاري في"صحيحه"4/ 366 (7311) ، ومسلم في"صحيحه"3/ 1523 (1921) .
(3) أخرجه مسلم 2/ 644 (934) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.