كانوا لا يؤمّرون في تلك الحروب إلاّ الصّحابة )) [1] .
3 ـ وقال في ترجمة (يزيد بن يحنس الكوفيّ) : (( ذكره ابنُ عساكر [2] ، وقال: أدرك النّبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا أعلم له رؤية. وقال سيف في"الفتوح": إنّه شهد اليرموك، وكان أميرًا على بعض الكراديس. قلت: وقد تقدّم غير مرة أنّهم كانوا لا يؤمّرون في الفتوح إلا الصّحابة ) ) [3] .
وهو مترجم عند البخاريّ، وابن أبي حاتم، وابن حبان في جملة التّابعين [4] .
كما أنّ الحافظ رحمه الله لم يقتصر في الضّابط المذكور على الإمارة التي في الغزو ـ كما جاء به الأثر ـ، بل شمل بعض الأعمال الأخرى التي كانت زمن الشيخين رضي الله عنهما، كالقضاء، وكتابة الدّيوان، ونحو ذلك [5] .
وفي هذا شيء من التّوسّع لم يرد في الأثر المذكور؛ فكأنّه نظر إلى ذلك من جهة القياس، وفيه نظر؛ لأنّ تعيين الولاة والأمراء والقضاة وسائر الوظائف العامة خاضعة إلى اجتهاد الحاكم، فقد يستعمل في وظيفة من يراه أهلًا لها مع وجود من هو أفضل منه في غيرها، وذلك بحسب ما تقتضيه الحاجة والمصلحة، كما استعمل عمر رضي الله عنه شريحًا القاضي على قضاء الكوفة وهو غير صحابيّ على الصّحيح [6] .
(1) الإصابة (القسم الأوّل) 6/ 677 (9329) .
(2) لم أجده في"تاريخ دمشق"المطبوع، فهو من التراجم السّاقطة.
(3) الإصابة (القسم الأوّل) 6/ 92 (7940) .
(4) فذكره البخاري بعد ما فرغ من تراجم الصّحابة في باب يزيد ـ باب الياء (يعني فيمن اسمه يزيد، واسم أبيه يبدأ بحرف الياء من التابعين فمن بعدهم) ، وذكروه بالرّواية عن سعيد بن زيد بن عمر ابن نفيل أحد العشرة المبشرين بالجنة رضوان الله عليهم. انظر: التاريخ الكبير 8/ 368، والجرح والتعديل 9/ 295، والثقات 5/ 537.
(5) انظر: (ص 51) حاشية (2) .
(6) انظر: ترجمته في الرسالة برقم (52) .
وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب"السّياسة الشّرعيّة" (ص 15) : (( اجتماع القوة والأمانة في النّاس قليل؛ ولهذا كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول: (( اللّهم أشكو إليك جَلَدَ الفَاجر وعَجْزَ الثِّقة ) )فالواجب في كلّ ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعيّن رجلان أحدهما أعظم أمانةً، والآخر أعظمُ قوّة، قُدّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها، فيقدّم في إمارة الحروب الرّجل القوي الشّجاع ـ وإن كان فيه فجور ـ على الرّجل الضّعيف العاجز ـ وإن كان أمينًا ـ ... ولهذا كان النّبي - صلى الله عليه وسلم - يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم، وقال: (( إنّ خالدًا سيف سلّه الله على المشركين ) )... ، وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنه ما زال يستعمل خالدًا في حرب الرّدة، وفي فتوح العراق والشّام ... )) .
قلت: مع أنّ في الصّحابة من هو خير من خالد بن الوليد في الفضل والسّبق إلى الإسلام رضوان الله عليهم أجمعين.