فهرس الكتاب
2 ـ وأمّا من حيث المتن؛ فإنّ أكثر الرّوايات على أن ذلك كان قبل موته - صلى الله عليه وسلم - بشهر، وتليها الرّوايات التي جاء فيها قبل موته بشهرين، ومثل هذا لا يوهن الحديث [1] ؛ لأنّ كِلا الرّوايتين دلّتا على أن ذلك حصل في آخر حياة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيًا: وأمّا إعلاله بالإرسال، فغير مسلّم؛ لأنّه مكاتبة وهي نوع من أنواع تحمل الحديث وأدائه، محمولة على الاتصال بالشّروط المعتبرة عند المحدّثين [2] .
قال الموفّق ابن قدامة المقدسيّ رحمه الله: (( كتابُ النّبي - صلى الله عليه وسلم - كلفظه، ولو لا ذلك لم يكتب النّبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أحدٍ، وقد كتب إلى ملوك الأطراف وإلى غيرهم فلزمتهم الحجّة به، وحصل له البلاغ ... ) ) [3] .
ثالثًا: وأمّا إعلاله بجهالة مشايخ جهينة.
فالجواب من وجهين:
(1) كما وقع الاختلاف في الثمن الذي باع به جابر رضي الله عنه جملَه من النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، والحديث في"صحيح البخاري"2/ 274 (2718) ، ونقل الحافظ ابن حجر في"الفتح"5/ 321 عن الإسماعيلي أنّه قال: (( ليس اختلافهم في قدر الثمن بضار؛ لأنّ الغرض الذي سيق الحديث لأجله بيان كرمه - صلى الله عليه وسلم - وتواضعه وحنوه على أصحابه ... ) ).
(2) قال القاضي عياض في"الإلماع" (ص 86) : (( وقد استمرّ عملُ السّلف ممن بعدهم من المشايخ بالحديث بقولهم: كتب إليّ فلانٌ، قال: أخبرنا فلان. وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا التحديث وعدّوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك، وهو موجود ـ في الأسانيد ـ كثير ) ).
وقد اشترط أهل العلم في الاحتجاج بها شروطًا من ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر في"فتح الباري"1/ 155: (( شرط قيام الحجّة بالمكاتبة أن يكون الكتابُ مختومًا، وحامله مؤتمنًا، والمكتوب إليه يعرف خطّ الشيخ إلى غير ذلك من الشروط الدافعة لتوهم التغيير ) ).
وأمّا الحافظ ابن الصّلاح في"علوم الحديث" (ص 354) فقال: (( يكفي في ذلك أن يعرفَ المكتوبُ إليه خطّ الكاتب، وإن لم تقم البيّنة عليه ) ). قلت: وما ذكره الحافظ ابن حجر من شروط أحوط وأسلم من التغيير والتزوير.
(3) المغني 1/ 91.
فائدة: روى الرّامهرمزي في"المحدث الفاصل" (ص 453 ـ 454) ، وأبو بكر الحازميّ في"الاعتبار" (ص 177 ـ 178) مناظرة طريفة وقعت بين الإمامين الشافعي وإسحاق ابن راهوية بحضرة الإمام أحمد ـ رحمهم الله تعالى ـ في هذه المسألة.