ولم يزل بمدينة زبيد باذلا نفسه للتدريس والفتوى، حتى استدعاه الملك المجاهد آخر عمره فولاه القضاء بمدينة عدن فنزل إليها، وخرج منها يوم وفاة الملك المجاهد، ثم لما صار الأمر بعده إلى أبن أخيه الملك المنصور تاج الدين عبد الوهاب بن داؤد بن طاهر أقرّه على ذلك مدة حياته، ثم لما استقل (1) الملك الظافر (2) عامر بن عبد الوهاب بالأمر بعده أقّره أيضا على ذلك إلى شهر جمادى الآخرة سنة تسع مائة، ثم عزل عن القضا بالقاضي شهاب الدين أحمد بن عمر المزجّد، ففرح بذلك أكثر من فرح غيره بالولاية، ورأى ذلك من نعم الله الذي تستوجب [الشكر] (3) فوصل إلى بلده زبيد يوم الخميس الخامس والعشرين في شهر رجب الفرد الحرام أحد شهور سنة تسع وتسعين وثمانمائة، وحمد الله على جمع شمله بأهله وعياله، وأقام به حتى توفاه الله في السنة المذكورة، ولم يتخلف عن تشييعه أحد من أهل مدينة زبيد، وصلى عليه ولده الفقيه العلامة عفيف الدين مفتي المسلمين عبد العليم، ودفن إلى جنب والده ضحى يوم الاثنين قريبا من قبر الفقيه علي الزيلعي قبلي مدينة زبيد، وكثر الأسف عليه جدا، ولم يخلف بعده مثله رحمه الله ونفع به، نقلت هذه الترجمة من كتاب فتاويه في أولها، وهو التغلبي نسبا والشافعي مذهبا والزبيدي بلدا رحمه الله تعالى.
وفيها (4) : توفي محمد الطاهر بن عبد الرحمن بن القاضي محمد بن مسعود باشكيل 23، ولد بعد وفاة جده بقليل في سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، وتوفي والده وهو ابن سنة فنصب عليه الفقيه عبد الله بن أحمد بامخرمة، فعلّمه القرآن وأدبه وهذّبه، ونشأ في طلب العلم وتحصيل الكتب شراء ونسخا وبخطه، حضر درس الفقيه عبد الله بن
(1) بياض في (س) .
(2) الأصل «الظاهر» وأصلحناه من عندنا.
(3) زيادة من عندنا.
(4) قلائد النحر 3: لوحة: 182 وقد سبقت ترجمته قبل قليل.