فنادى بعضا من جنود المسلمين، وقال لهم: احموا ظهري واهجموا معي، واندفع عبد الله كالسهم، يخترق صفوف الأعداء بجسارة لا نظير لها، حتى وصل إلى الملك، فهوى عليه بضربة قضت عليه، ودار على من حوله وأعمل فيهم سيفه البتار، فانخلعت قلوبهم من هول المفاجأة، ودبت الفوضى في صفوفهم.
ورأى المسلمون ابن الزبير وهو يصول ويجول وسط جيش العدو، فتحمسوا وانقضوا عليهم وهزموهم شر هزيمة. وعلم قائد جيش المسلمين بما فعل ابن الزبير فازداد إعجابا واختاره ليحمل البشرى بالفتح والنصر إلى خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه.
لم تكن بطولة عبد الله بن الزبير مقصورة على ميادين القتال وحدها، بل كان بطلا في ميادين العبادة لله، كان صواما قواما، يصوم النهار، ويقوم الليل، ويخضع لله خشوع الطائعين المنيبين، وإن ما يروى عن عبادته لشيء يثير العجب والإعجاب.
قال عمر بن عبد العزيز يوما لابن أبي مليكة: صف لنا عبد الله بن الزبير. فقال: والله ما رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفسه، ولقد كان يدخل في الصلاة فيخرج من كل شيء إليها، وكان يركع أو يسجد فتقف العصافير فوق ظهره وكاهله، لا تحسبه من طول ركوعه وسجوده إلا جدارا أو ثوبا مطروحا، ولقد مرت قذيفة منجنيق بين لحيته وصدره وهو يصلي، فوالله ما أحس بها، ولا اهتز لها، ولا قطع من أجلها قراءته، ولا تعجل ركوعه.
وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مصليا أحسن صلاة من ابن الزبير.
وسئل عنه ابن عباس فقال:
كان قارئا لكتاب الله، متبعا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قانتا له، صائما في الهواجر من مخافة الله، ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه أسماء بنت الصديق، وخالته عائشة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجهل حقه إلا من أعماه الله.