…ليس العاقل من يعرف الخبر من الشر, ولكن الذي يعرف خير الشرين. قال يومًا لمعاوية: إن الكريم يصول إذا جاع, واللئيم يصول إذا شبع, فسد خصاصة الكريم, واقمع اللئيم. فقال له معاوية: من أبلغ الناس؟ قال: من كان رأيه رادًّا لهواه. فقال: من أسخى الناس؟ فقال له: من رد جهله بحلمه. وقال: إذا أنا أفشيت سري إلى صديقي فأذاعه فهو في حل. فقيل له:وكيف ذلك؟ فقال: أنا كنت أحق بصيانته,. وقال: والله إني كنت لأشد الناس حياء من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-, فما ملأت عيني منه, ولا راجعته بما أريد, حتى لحق بالله عز وجل حياءً منه.
وفاته:
روي أن عمروا لما حضرته الوفاة قال ابنه له: يا أبتاه إنك كنت تقول لنا ليتني كنت ألقى رجلا لبيبا عاقلا عند نزول الموت، حتى يصف لي ما يجد، وأنت ذلك الرجل، فصف لي الموت، فقال عمرو: يا بني، والله كأن السماء أطبقت على الأرض، وكأني أتنفس من ثقب إبرة، وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي. ثم استقبل القبلة وتضرع إلى ربع بالدعاء قائلا: (اللهم إنك أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فارتكبنا، وهذا المقام العائذ بك، فإن تعفو فإنك أهل للعفو: وإن تعاقب فيما قدمت يداي، اللهم لا قوي فأنتصر، ولا بريء فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر، أستغفرك، وأتوب إليك، لا إله إلا أنت. وما زال يرددها حتى صعدت روحها لإلى السماء...
وكانت وفاته ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وأربعين من الهجرة، عن عمر يناهز التسعين سنة. وصلى عليه ابنه عبد الله، ثم دفن بجوار جبل المقطم بالقاهرة بالقرب من ضريح الإمام الشافعي رضي الله عنهما، بعد أن سجل صفحات المجد في تاريخ الإسلام والمسلمين.