فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 148

المنذري، وأعجب بعلمه وفقهه وزهده، فأكرمه وقدمه، وامتنع عن الفتيا وقال: كنا نفتي قبل حضور الشيخ عز الدين، أما اليوم بعد حضوره فمنصب القضاء متعين فيه. ورأى العز من الحافظ المنذري بحرا في الحديث، فكان يحضر له دروسه في الحديث. وهكذا تكون أخلاق العلماء العاملين، عرف كل منهما فضل صاحبه، فأقر له به، وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه.

عصره:

كان عصر الشيخ عز الدين اضطراب وفتن، فقد عاصر الدولة الأيوبية في شيخوختها، ورآها بعد أن مات صلاح الدين، وقد تمزقت وتوزعت دويلات وإمارات بين أبنائه في مصر، وفي دمشق، وفي حماه، وفي حمص، وفي حلب. وقد استحكمت بين الحكام الإخوة الخلافات، واشتدت العداوات والخصومات، والأعداء يحيطون بهم من كل جانب، فالصليبيون بالأبواب قد جددوا حملاتهم الصليبية بعد صلاح الدين، والتتار هجموا على بلاد الإسلام كالجراد المنتشر، والريح العقيم، فقضوا على الخلافة الإسلامية في بغداد، وارتكبوا من الفظائع الوحشية ما لا يوصف، وهم يتحفزون للوثوب على سائر بلاد الإسلام؛ وهؤلاء في غفلة ساهون، وفي غيهم سادرون، كل همهم الدنيا الفانية، والمناصب الزائلة حتى أصبح بعضهم يستعين على أخيه بأعداء الإسلام من الصليبيين، وظلت الخلافات تنخر في عظام هذه الدولة، حتى سقطت، وقامت بعدها دولة فتية للمماليك في القاهرة قيض الله على يديها هزيمة التتار.

كان جريئا في أحكامه، قويا في قضائه وتنفيذه مما عرضه لكثير من المخاطر، وأدى إلى استقالته مرتين من القضاء، وله في ذلك من المواقف ما زالت مضرب الأمثال في الجرأة والشجاعة والإخلاص.

ومن الطبيعي أن يصطدم الشيخ بأصحاب السلطان، وأهل الأهواء في عصره لأن سلوك الشيخ وجرأته في الحق لا تعجب هؤلاء الذين لا يعجبهم إلا من يسايرهم، ويوافق أهواءهم، ويمشي في ركابهم. ولم يكن الشيخ من هذا الصنف الذي يبيع دينه بعرض من الدنيا، بل كان رحمه الله جريئا شجاعا، يقول الحق ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت