الذي عاش حياته حربا على المشبهة والمجسمة، وتلمسوا له بعض الآراء التي لم يتقيد فيها بمذهب من المذاهب التقليدية.
وكان ابن تيمية يناظرهم ويفحمهم، ولكنه ظل ينتقل بسبب ذلك من محنة إلى محنة، ومن سجن إلى سجن، وهو لا يتوانى في نشر الدين، وتصحيح العقيدة داخل السجن وخارجه، حتى لقد أصبح له في داخل السجن أتباع يؤثرون البقاء معه على الخروج. وكان -رحمه الله- يرى السجن فرصة للخلوة والعبادة. وكان يقول: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أينما رحلت، فهي معي لا تفارقني، وإن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول:"المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه".
لم يكن ابن تيمية -كما قلنا- معزولا عن المجتمع، بعيدا عما يجري حوله من أحداث، ولكنه كان يهتم بأمور المسلمين، وينفعل بها، حتى أصبح معقد الآمال، تجزع إليه الأمة كلما ادلهمت الخطوب ووقع بها ظلم، أو أغار عليها عدو.
فعندما هاجم التتار بلاد الشام سنة 669 وعاثوا في الأرض فسادا، ونشروا الرعب والفزع في كل مكان، قصدوا إلى دمشق ففر كثير من العلماء إلى مصر، وترك الحكام البلد، فانتشر فيها السلب والنهب، وعمتها الفوضى، وخرج المحبوسون من السجون، وأخذوا ينهبون ما تقع عليه أيديهم. في هذه المحنة القاسية، لم يجد الناس إلا ابن تيمية الذي أبى أن ينجو بنفسه، بل آثر أن يبقى مع الناس، يواسيهم ويثبت قلوبهم، ويوجههم، ويشاركهم في ما يصيبهم.
موقفه من قازان:
جمع ابن تيمية من بقي من أعيان البلد، واتفق معهم على ضبط الأمور، ومحاربة الفوضى حتى تستقر الأوضاع.
وخرج بنفسه على رأس وفد لمقابلة قازان ملك التتار، ليطلبوا منه الامتناع عن