لنرسلهما إلى أمير المؤمنين بالمدينة المنورة ليكون برهانًا على النصر العظيم فلما رآهما عمر رضي الله عنه قال: (إن قومًا أدوا هذه لأمناء) . قال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (يا أمير المؤمنين، عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا) . ثم اختط سعد مدينة الكوفة لتكون عاصمة جديدة للعراق والفرس، وأقام بها مسجدًا، وبيتًا للمال، ودارًا للإمارة.
استقر سعد رضي الله عنه بالمدينة المنورة فكان محل تقدير عمر رضي الله عنه وثقته، ومشورته، فلما ولي عثمان رضي الله عنه الخلافة كان يستشيره في مهم أمور الدولة، ولما علم سعد بمقتل عثمان رضي الله عن حزن حزنًا شديدًا، ثم توجه إلى منزله، وبكى عليه بكاء حارًا، وقال: (ما بكيت من الدهر إلا ثلاثة أيام: يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوم قتل عثمان رضي الله عنه، واليوم أبكي على الحق) .
كذلك وقف سعد موقف الحياد في الفتنة بين معاوية وعلي رضي الله عنهم، ووضح بنفسه سبب حيده، فقال: (أني لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان، فيقول: هذا مؤمن، وهذا كافر) وقال له ابن أخيه هاشم بن عتبة: ها هنا مئة سيف، يرونك أحق بهذا الأمر، فقال سعد: (أريد منها سيفًا واحدًا، إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئًا، وإذا ضربت به الكافر تقطع) .
وطلب من ابنه عمر أن يدعو لنفسه بعد قتل عثمان، فلم يفعل وطلب السلامة، واعتزل الفتنة، لذلك آثر العزلة ولزم بيته في منزله بالعقيق، وأمر ألا يحدثه أحد بشيء من أخبار الفتنة، وألا يسمع عنها شيئًا حتى يتفق الجميع على إمام واحد).
مآثره:
كان رضي الله عنه ورعًا فقيهًا، وكان لا يحدث، ولا يفتي إلا إذا وجد نفسه مضطرًا للإفتاء، وكان راجح العقل، بعيد النظر، عف اليد واللسان، برًا بأهله، وفيًا لأصحابه، أحب قريش للناس، بل أحب الناس للناس، وأرفقهم بهم، وكان يتوقى