فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 148

نظم سعد جيشه وسار به نحو القادسية، لأنها باب الدخول إلى بلاد الفرس، ولما وصل إليها، كون وفدًا من المسلمين من ذوي الرأي والشجاعة يحملون كتابه إلى يزدجرد، يطلب منه الموافقة على إحدى ثلاث:

إما الإسلام، وإما الجزية، وإما السيف، وبذلك أقام الحجة على كسرى وقومه، قبل أن يفاجئهم بالقتال متبعًا في ذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم: أن لا يقاتل قومًا حتى يخيرهم بين هذه الثلاث. ثم تهيأ الفريقان للقتال، فأمر سعد بقراءة سورة الجهاد، فلما قرئت أجهش الناس بالبكاء، فكبر سعد وتبعه المسلمون في التكبير، والتحم الفريقان، ودارت رحى المعركة عنيفة ضاربة، ولحق الناس بعضهم بعضًا، وتبادل الفريقان الطعن والضرب، وجاهد المسلمون جهادًا عنيفًا، وقاتلوا قتالًا مريرًا بالرغم من تفاوت العدد بين الجيشين، وكان صليل الحديد هو الصوت السائد في سكون الليل البهيم، وبات سعد ليلة لم يبت مثلها، ورأى العرب والعجم أمرًا لم يروا مثله، وانقطعت الأخبار والأصوات إلا من صهيل الخيل وصليل السيوف.

أما سعد فكان يتضرع إلى ربه عز وجل بالدعاء أن يحقق النصر للمسلمين، ولما سطع نور الصباح ظهر الخلل في صفوف الأعداء فقد قتل رستم قائد الفرس، وتتابعت هزائمهم، فانهارت معنوياتهم، ولم تقم لهم قائمة بعدها. وبذلك كتب الله تعالى للمسلمين في القادسية النصر العظيم الذي لم يسمع بمثله في التاريخ، ثم عبر إلى المدائن عاصمة الفرس، وخل سعد إيوان كسرى، وصلى فيه ركعتين قرأ فيهما قول الله تعالى: (كم تركوا من جنات وعيون* وزروع ومقام كريم* ونعمة كانوا فيها فاكهين* كذلك وأورثناها قومًا آخرين) (الدخان) .

ثم جعل قصر كسرى مسجدًا تقام به الصلاة. ويذكر فيه اسم الله تعالى، وجمع من الغنائم الشيء الكثير، ومها ذخائر كسرى ونفائسه، وسيفه ومنطقته، ثم وزع الغنائم على المجاهدين، وأثبت الحق بين الجميع وقال لهم: احبسوا سيف كسرى وتاجه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت