المدينة. لقد كان عبد الرحمن سيد ماله، ولم يكن عبدًا له، وكان يرى لكل ذي حاجة من المسلمين حقًا في هذا المال، فلم يكن يضن به على أحد.
باع في يوم أرضًا بأربعين ألف دينار، ثم فرقها كلها في أهله من بني زهرة وعلى أمهات المؤمنين وفقراء المسلمين.
وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله تعالى، وأوصى لكل من بقي ممن شهد بدرا بأربعمائة دينار.
لم ينسه هذا الثراء العريض أمر الآخرة، بل إنه كان يخشى على نفسه من هذا المال ويضع الآخرة نصب عينيه.
جيء يوما بطعام، فلما وقعت عليه عينه شهيته، وبكى، وقال: (استشهد مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو خير مني، واستشهد حمزة رضي الله عنه وهو خير مني فلم يوجد ما يكفن فيه إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وأعطينا ما أعطينا، وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في حياته الدنيا، وأن أحتبس عن أصحابي بكثرة مالي) واجتمع يوما بعض أصحابه على طعام، وما كاد الطعام يوضع حتى بكى، فقالوا له: ما يبكيك يا أبى محمد؟ فقال: (لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير) .
آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن الربيع، فكانت أخوتهما مثلا فريدا في التضحية والإيثار والعفة والإباء.
قال سعد لعبد الرحمن: (يا أخي، إني أكثر الأنصار مالا، فاقسم مالي بينك وبيني نصفين، وإن لي امرأتين فانظر أعجبهما إليك أطلقها، فإذا انتهت عدتها تزوجتها) . فقال عبد الرحمن: (يا أخي بارك الله فيك لك في أهلك وفي مالك, ولكن دلني على السوق فإني امرؤ تاجر) . فدلوه على سوق بني قينقاع, فذهب وتاجر وربح, وكان من أغنياء المسلمين.