بن حيوه -وكان مستشاره وموضع ثقته- فأشار عليه بعمر بن عبد العزيز وحسن رأيه فيه، فانشرح لذلك صدر سليمان، وقال: لأعقدن عقدا ليس للشيطان فيه نصيب. ثم عهد إلى عمر بن عبد العزيز بالخلافة. ولقد صدق سليمان. وبر وعقد باستخلافه عقدا خالصا لله، ليس للشيطان فيه نصيب، ولقد أسدى رجاء بن حيوه بهذه النصيحة أعظم مأثرة للإسلام والمسلمين حفظها له التاريخ، وشكرتها له الأمة، وله أجرها وذخرها عند الله تعالى الذي لا يضيع أجر المحسنين.
تحمل عمر المسؤولية، وكان عظيم التقدير لها، يرى أن كل مسلم في أقصى الأرض له حق في عنقه. حتى ليقول له أحد مواليه -وقد رجع من جنازة سليمان: مالي أراك مغتما؟ فقال له عمر: لمثل ما أنا فيه يغتم له، فليس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أحد في شرق الأرض وغربها إلا أنا أريف أن أؤدي إليه حقه غير كاتب إلي فيه ولا طالبه مني.
رده الأمر إلى المسلمين:
ضرب عمر أروع مثل للحاكم المتجرد الذي يؤمن بما قرره الإسلام من حق الأمة في الشورى في اختيار الإمام، ذلك بأنه رد الأمر إليها تختار من تشاء. فلما رجع من جنازة سليمان سار وسار الناس معه حتى دخل المسجد، فصعد المنبر واجتمع إليه الناس، فقال:
(أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي أو طلب مني، ولا مشورة من المسلمين. وإني قد حللت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم) . فصاح الناس جميعا: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك في أمرنا باليمن والبركة. فلما هدأت الأصوات، خطب الناس أول خطبة فقال:
(أيها الناس، أوصيكم بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف) وأخذ يعظ الناس، ويوصيهم، ثم ختم خطبته بقوله: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم) ثم نزل فأمر