…استجاب الله دعاء النبي- صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عباس حين قال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل, اللهم بارك فيه, وانشر منه, واجعله من عبادك الصالحين) . وببركة دعاء النبي- صلى الله عليه وسلم- له, شرح الله صدره وهداه إلى خير الدنيا والآخرة, فأوتي من العلم ما لم يتيسر لغيره من أجلاء الصحابة, فكان حبر الأمة, وترجمان القرآن, فقد روي أن ملك الروم طلب من معاوية أن يجيب على بعض أمور, فأجاب عبد الله عنها فلما سمع ملك الروم بأجوبته قال: هذا كلام من عند بيت النبوة.
…وكان رضي الله عنه يجلس يومًا للفقه, ويومًا للتأويل, ويومًا للمغازي, ويومًا للشعر, ويومًا لأيام العرب, ولم يصل إلى منزلته في التفسير أحد من الصحابة, ولهذا لقبه الرسول- صلى الله عليه وسلم- بترجمان القرآن. وقد بلغ من تفسيره للقرآن مبلغًا عظيمًا, حتى قيل في تفسيره: (لو سمعه أهل الفرس والروم لأسلموا) . ولما سئل عبد الله: بم نلت العلم؟ قال: (بلسان سؤول, وقلب عقول) .
…وروي عن مسروق أنه قال: (كنت إذا رأيت عبد الله بن عباس قلت: أجمل الناس. فإذا تكلم, قلت: أفصح الناس. وإذا تحدث،قلت: أعلم الناس) .
ولما تولى إمارة البصرة من قبل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه، وأصبح واليًا عليها, لم يُشغل بالشؤون الإدارية, والنواحي السياسية, وما يقوم به من مسؤوليات نحو أهل البصرة, ولكنه واصل جهاده, وقام بأعباء رسالته الدينية خير قيام, فأخذ ينشر العلم في أرجاء البصرة, ويفقه المسلمين في أمر دينهم, وكان يدارسهم العلم في رمضان, فما ينقضي الشهر حتى يفقههم, وفي معجم البغوي عن عطاء قال: (ما رأيت قط أكرم من مجلس ابن عباس: أكثر فقها وأعظم خشية, إن أصحاب الفقه عنده, وأصحاب القرآن عنده, وأصحاب الشعر عنده, يصدرهم كلهم من واد واسع)
…وروي عن عبد الله بن دينا أن رجلًا سأل عمر عن قول الله تعالى: (كانتا رتقًا ففتقناهما) الأنبياء:30