ومكارم الأخلاق، والتواضع، فقد روي أنه شاهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ، ففعل مثله, ثم وقف خلف النبي وهو يصلي, فأشار إليه-صلى الله عليه وسلم-, أن يقف موازيًا له عن يمينه, فأبى, فلما انتهى الرسول- صلى الله عليه وسلم- من صلاته قال لعبد الله: (ما منعك ألا تكون وازيت بي) ؟ فقال عبد الله: أنت يا رسول الله أجَل في عيني, وأعز من أوازى بك, فقال- صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهم آته الحكمة ) .
كان عبد الله بن عباس رضي أو عنهما شجاعا لا يهاب الموت، وكان يؤمن بأن الاستشهاد في سبيل نصرة دين الله أعز ما يتمناه المسلم في هذه الحياة، فلم تحدثه نفسه بحياة الترف والنعيم، وإنما كان من السابقين إلى ميدان الجهاد، فقد كان مع المجاهدين في فتح مكة, وغزوة حنين والطائف, وشهد فتح إفريقيا مع عبد الله بن أبي السرح, وشهد موقعة الجمل, ومعركة صفين, وفي بلاد الفرس, وفتح القسطنطينية, وجعله علي بن أبي طالب واليًا على البصرة, وذلك لسداد رأيه, وحكمته في تصريف الأمور.
عبد الله في المدينة:
اجتهد عبد الله في تحصيل العلم, فقضى معظم وقته في حفظ القرآن الكريم ورواية الحديث, ودراسة اللغة والفقه, والفرائض, وكان عالمًا بأنساب العرب, وأيامهم, وظل على تلك الحال من الدراسة والتحصيل حتى أصبح فيما بعد حجة يرجع إليه في أحكام الدين, ولما لحق الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى, كان عبد الله شابًا في الثالثة عشرة من عمره, وصار يجمع الحديث من الصحابة , وكان يتردد على بيوت الأنصار والمهاجرين طالبًا جمع الحديث,حتى نال من ذلك القسط الوافر, فقد بلغ ما رواه من الأحاديث ما يقرب من ألف وستمئة وسبعين حديثًا, وبذلك كانت له منزلة رفيعة بين المحدثين.