الجند، فالناس تحت في صلاة، وهؤلاء فوقهم يزمرون ويطبلون، فما كان من الشيخ إلا أن أخذ أبناءه وبعض مريديه، وبيدهم المعاول والفؤوس وذهبوا جميعا وكسروا (الطبلخانه) . وفي الصباح أعلن الشيخ إسقاط اعتبار فخر الدين، فلا تقبل شهادته، ثم عزل الشيخ نفسه عن القضاء.
وتذيع الحادثة على كل لسان، ويتعجب الناس من جرأة الشيخ، وكان لهذه الحادثة أثر بعيد خارج مصر. فقد اتفق أن أرسل السلطان رسولا برسالة إلى الخليفة المستعصم ببغداد، فلما وصل الرسول إلى الديوان، ووقف بين يدي الخليفة، وأدى الرسالة خرج إليه من سأله:
(هل سمعت هذه الرسالة من السلطان؟) فقال: لا، ولكن حملنيها عن السلطان فخر الدين ابن شيخ الشيوخ، أستاذ الدار. فقال الخليفة: إن المذكور أسقطه ابن عبد السلام، فنحن لا نقبل روايته، فرجع الرسول إلى السلطان حتى شافهه بالرسالة، ثم عاد إلى بغداد ثانية، وأداها إلى السلطان.
وكان لا يصبر على منكر إذا رآه، بل ينكره ولو كان صاحبه السلطان، فقد طلع إلى السلطان مرة في يوم عيد إلى القلعة، فشاهد العسكر مصطفين بين يديه ومجلس المملكة والسلطان في أبهة الملك، وقد خرج عليهم السلطان في زينته والأمراء يقبلون الأرض بين يديه، فالتفت الشيخ إلى السلطان وناداه: يا أيوب.. ما حجتك عند الله إذا قال لك ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟ فقال: هل جرى هذا؟ فقال: نعم الحانة الفلانية تباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة.
وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير، فقال: يا سيدي هذا أنا ما عملته هذا من زمان أبي. فقال: أنت من الذين يقولون: (إنا وجدنا آباءنا على أمة) . وفي الحال أمر السلطان بإغلاق تلك الحانة.
وشاعت هذه الحادثة وتحدث الناس بجرأة الشيخ كيف يجابه السلطان هذه