وسقط عني الوجوب فتخلصت ذمتي ولله الحمد والمنة.
وأما ترك اجتماعي بالناس، ولزومي البيت، فمن سعادتي لزوم بيتي، وتفرغي لعبادة ربي، والسعيد من لزم بيته، وبكى على خطيئته، واشتغل بطاعة الله تعالى، وهذه هدية من الله تعالى إلي، أجراها على يد السلطان وهو غضبان، وأنا بها فرحان، والله -يا غرز- لو كانت عندي خلعة لك على هذه الرسالة المتضمنة لهذه البشارة، لخلعتها عليك، خذ هذه السجادة وصل عليها)، فقبلها وقبلها.
وذكر الوزير للسلطان ما جرى بينه وبين الشيخ، فقال لمن حوله: ماذا أفعل به؟ هذا رجل يرى العقوبة نعمة.
وبقي على تلك الحال بضعة أيام، ثم أفرج عنه.
وقد حدثت حادثة أخرى طارت بذكرها الركبان:
ذلك أن الملك الصالح إسماعيل الذي تولى الحكم في دمشق بعد أخيه الأشرف ارتكب خيانة كبيرة، فقد تحالف مع الإفرنج"الصليبيين"ليساعدوه ضد ابن أخيه نجم الدين سلطان مصر الذي نشأت بينهما عداوة شديدة، وسلم للصليبيين لقاء ذلك قلعة صفد، وبلادها، وقلعة الشقيف وبلادها، وصيدا.
وزيادة على ذلك أباح الصالح إسماعيل للفرنج أن يدخلوا دمشق، ويشتروا السلاح وآلات الحرب ليضربوا بها المسلمين.
فأنكر الناس ذلك، وساروا إلى العز بن عبد السلام، فأفتى بتحريم بيع السلاح للإفرنج.
ولم يكتف بإصدار الفتوى، بل هاجم الصالح إسماعيل على منبر الجامع الأموي يوم الجمعة، وذمه على فعلته الشنيعة، وقطع من الخطبة الدعاء له وصار يدعو: (اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أولياؤك، ويذل أعداؤك) والناس يضجون بالتأمين والدعاء.
فلما بلغه ذلك أمر بعزل ابن عبد السلام من الخطابة واعتقاله، ثم حدد إقامته في