نفسه درهمين في اليوم، فلو أخذت ما كان يأخذ؟ فقال: إن عمر لم يكن له مال، أما أنا فمالي يغنيني.
وحمل بني مروان على النزول عما في أيديهم من المظالم، وردها إلى أصحابها، ومن كان يتلكأ في تنفيذ ذلك كان يلقى من عمر الشدة والردع.
ومما يروى في ذلك أن رجلا ذميا من أهل حمص جاءه قائلا: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله. قال: وما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي -والعباس جالس- فقال له: يا عباس، ما تقول؟ قال: أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وكتب لي بها سجلا. فقال: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله. فقال عمر: نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد بن عبد الملك، ياعباس اردد عليه ضيعته، فردها عليه.
وكان للوليد بن عبد الملك ابن يقال له: روح -نشأ في البادية وفيه جفاء الأعراب وغلظتهم- شكاه ناس من المسلمين إلى عمر في حوانيت كانت لهم بحمص أقطعه إياها أبوه الوليد، فقال له عمر: اردد عليهم حوانيتهم. فقال لعمر: إنها لي بسجل الوليد. فقال له: ما يغني عنك سجل الوليد، الحوانيت حوانيتهم وقد قامت البينة لهم. فتوعد روح الحمصي، فرجع إلى عمر، وقال: يتوعدني يا أمير المؤمنين. فقال عمر لكعب بن حامد -قائد حرسه-: اخرج إليه، فإن سلم إليه حوانيته فذاك، وإلا فأتني برأسه. فبلغ روح ما قال عمر، وخرج كعب إليه وقد سل من السيف شبرا. فقال له: قم فخل حوانيته إليه. فقال: نعم نعم، وخلى له حوانيته.
وتتابع الناس في رفع المظالم إليه، فما رفعت إليه مظلمة إلا أنصف صاحبها ورد إليه حقه، حتى شمل الناس الأمن والطمأنينة، وسادهم العدل والإنصاف.
ويتميز عهد عمر بن عبد العزيز بأنه كان عهد إحياء للسنة النبوية، فقد أمر بتدوينها، وكتب إلى قاضيه على المدينة أبي بكر بن حزم: (انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء) .