إِمْكَان الْإِمْسَاك بِأَنَّا لَا نَقْبَل مِنْهُ وَلَا نَقْتُلهُ ، وَيُؤَيِّدُ تَخْصِيصَهُ بِالْإِسْلَامِ مَا جَاءَ فِي بَعْض طُرُقه: فَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَفَعَه"مَنْ خَالَفَ دِينَهُ دِينَ الْإِسْلَام فَاضْرِبُوا عُنُقه"وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَتْل الزِّنْدِيق مِنْ غَيْر اِسْتِتَابَة وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقه كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَلِيًّا اِسْتَتَابَهُمْ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْقَبُول مُطْلَقًا وَقَالَ يُسْتَتَاب الزِّنْدِيق كَمَا يُسْتَتَاب الْمُرْتَدّ ، وَعَنْ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَة رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا لَا يُسْتَتَاب وَالْأُخْرَى إِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ لَمْ تُقْبَل تَوْبَته ، وَهُوَ قَوْل اللَّيْث وَإِسْحَاق ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة وَلَا يَثْبُت عَنْهُ بَلْ قِيلَ إِنَّهُ تَحْرِيف مِنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة ، وَحَكَى عَنْ مَالِك إِنْ جَاءَ تَائِبًا يُقْبَل مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُف ، وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذَانِ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفَرَايِنِيّ وَأَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ . وَعَنْ بَقِيَّة الشَّافِعِيَّة أَوْجُه كَالْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَة ، وَخَامِس يُفْصَلُ بَيْن الدَّاعِيَة فَلَا يُقْبَل مِنْهُ وَتُقْبَل تَوْبَة غَيْر الدَّاعِيَة ، وَأَفْتَى اِبْن الصَّلَاح بِأَنَّ الزِّنْدِيق إِذَا تَابَ تُقْبَل تَوْبَته وَيُعَزَّر فَإِنْ عَادَ بَادَرْنَاهُ بِضَرْبِ عُنُقه وَلَمْ يُمْهَل ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا ) فَقَالَ: الزِّنْدِيق لَا يُطَّلَع عَلَى صَلَاحه لِأَنَّ الْفَسَاد إِنَّمَا أَتَى مِمَّا أَسَرَّهُ فَإِذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ وَأَظْهَرَ الْإِقْلَاع عَنْهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّه لِيَغْفِر لَهُمْ ) الْآيَة ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فَسَّرَهُ اِبْن عَبَّاس فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَغَيْره ، وَاسْتَدَلَّ لِمَالِك بِأَنَّ تَوْبَة الزِّنْدِيق لَا تُعْرَف ، قَالَ وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُنَافِقِينَ لِلتَّأَلُّفِ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُمْ لَقَتَلَهُمْ بِعِلْمِهِ فَلَا يُؤْمَن أَنْ يَقُول قَائِل إِنَّمَا قَتَلَهُمْ لِمَعْنًى آخَر ، وَمِنْ حُجَّة مَنْ اِسْتَتَابَهُمْ قَوْله تَعَالَى ( اِتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِظْهَار الْإِيمَان يُحْصِن مِنْ الْقَتْل ، وَكُلّهمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَحْكَام الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِر وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُسَامَة"هَلَّا شَقَقْت عَنْ قَلْبه"وَقَالَ لِلَّذِي سَارَّهُ فِي قَتْل رَجُل"أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهِيت عَنْ قَتْلهمْ"وَسَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث أَبِي سَعِيد أَنَّ خَالِد بْن الْوَلِيد لَمَّا اِسْتَأْذَنَ فِي قَتْل الَّذِي أَنْكَرَ الْقِسْمَة وَقَالَ كَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبه فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوب النَّاس"أَخْرَجَهُ مُسْلِم ، وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِكَ كَثِيرَة .
3787 - قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ:
( أَنَّ عَلِيًّا ) : هُوَ اِبْن أَبِي طَالِب
( أَحْرَقَ نَاسًا اِرْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام ) : وَعِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ حَدِيث عِكْرِمَة أَنَّ عَلِيًّا أَتَى بِقَوْمٍ قَدْ اِرْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام أَوْ قَالَ بِزَنَادِقَةٍ وَمَعَهُمْ كُتُب لَهُمْ فَأَمَرَ بِنَارٍ فَأُنْضِجَتْ وَرَمَاهُمْ فِيهَا
( فَبَلَغَ ذَلِكَ )
: أَيْ الْإِحْرَاق اِبْن عَبَّاس وَكَانَ حِينَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَة مِنْ قِبَل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . قَالَهُ الْحَافِظ
( وَكُنْت )
: عَطْف عَلَى لَمْ أَكُنْ
( قَاتِلهمْ )
: أَيْ الْمُرْتَدِّينَ عَنْ الْإِسْلَام
( فَبَلَغَ ذَلِكَ )
: أَيْ قَوْل اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
( فَقَالَ )
: أَيْ عَلِيٌّ
( وَيْح اِبْن عَبَّاس )
(1) - عون المعبود - (ج 9 / ص 386)