فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 738

وَإِنْ نَقَضَ الذِّمِّيُّ الْعَهْدَ , وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ عَمِلَ فِي تَرِكَتِهِ وَرَثَتُهُ مَا يُعْمَلُ فِي تَرِكَةِ الْمُرْتَدِّ ; لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَيَكُونُ كَالْمَيِّتِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا , وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ , وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ .

, وَلَوْ أَكْرَهَ نَصْرَانِيًّا عَلَى الْإِسْلَامِ , فَأَسْلَمَ كَانَ مُسْلِمًا لِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ مَعَ الْإِكْرَاهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ بِالتَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ , وَالْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ , وَقَدْ سَمِعْنَا إقْرَارَهُ بِلِسَانِهِ , وَإِنَّمَا يُعَبِّرُ عَمَّا فِي قَلْبِهِ لِسَانُهُ , فَلِهَذَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ , وَالْأَصْلُ فِيهِ قوله تعالى { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا } وَقَالَ عليه الصلاة والسلام { أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } , وَقَدْ قَبِلَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مَا أَظْهَرُوا مِنْ الْإِسْلَامِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ السَّيْفِ , وَهَذَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا , فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ , وَبَيْنَ رَبِّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ فِيمَا يَقُولُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا , وَالذِّمِّيُّ فِي هَذَا , وَالْحَرْبِيُّ سَوَاءٌ عِنْدَنَا وَالشَّافِعِيُّ رحمه الله يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ إكْرَاهَ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْإِسْلَامِ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ , وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ , وَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِسْلَامِ , وَبَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الرِّدَّةِ , وَقَالَ: الرِّدَّةُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِتَبْدِيلِ الِاعْتِقَادِ , وَالْإِكْرَاهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُبَدِّلٍ لِاعْتِقَادِهِ , فَأَمَّا الْإِسْلَامُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا , فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ مَعَ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ , وَلَا طَرِيقَ لَنَا إلَى الْوُقُوفِ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ , وَقَدْ سَمِعْنَا إقْرَارَهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ , فَلِذَلِكَ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ , فَإِنْ رَجَعَ عَنْهُ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ , وَلَمْ يُقْتَلْ اسْتِحْسَانًا , وَفِي الْقِيَاسِ يُقْتَلُ ; لِأَنَّهُ بَدَّلَ الدِّينَ , وَقَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ , فَاقْتُلُوهُ } , وَهَذَا ; لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْإِسْلَامِ كَانَ الْمُكْرَهِ كَالطَّائِعِ فِيهِ , وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ إسْقَاطَ الْقَتْلِ عَنْهُ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي فُعِلَتْ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ سِرَّهُ حَقِيقَةً , وَالْأَدِلَّةُ قَدْ تَعَارَضَتْ , فَكَوْنُ الْإِسْلَامِ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُعْتَقِدٌ , وَالْإِكْرَاهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ بِمَا يَقُولُ , وَتَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ شُبْهَةٌ فِي دَرْءِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ , وَهَذَا نَظِيرُ الْقِيَاسِ , وَالِاسْتِحْسَانِ فِي الْمَوْلُودِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ , وَلَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا , وَاَلَّذِي أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ فِي صِغَرِهِ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ , وَلَا يُقْتَلُ لِلشُّبْهَةِ الْمُتَمَكِّنَةِ فِيهِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ . رحمهم الله .

وفي شرح السير الكبير: (3)

139 -قَالَ: وَإِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ رَجُلًا جُعْلًا عَلَى أَنْ يُسْلِمَ فَأَسْلَمَ فَهُوَ مُسْلِمٌ , لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ .

(1) - المبسوط - (ج 12 / ص 286)

(2) -المبسوط - (ج 27 / ص 309)

(3) - شرح كتاب السير الكبير - (ج 1 / ص 48) ,السير الكبير - (ج 1 / ص 140) ,شرح السير الكبير - (ج 1 / ص 152)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت