44 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ حِيلَ بَيْنَهُمَا فَلَا يَقْرَبُهَا بِخَلْوَةٍ وَلَا جِمَاعٍ وَلَا نَحْوِهِمَا . ثُمَّ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً , دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ; لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُنَافِي النِّكَاحَ وَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا عَاجِلًا لَا طَلَاقًا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءٍ . ثُمَّ إنْ كَانَتْ الرِّدَّةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَكَانَ الْمُرْتَدُّ هُوَ الزَّوْجَ فَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى أَوْ الْمُتْعَةُ , وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ فَلَا شَيْءَ لَهَا . وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُرْتَدُّ الزَّوْجَ أَوْ الزَّوْجَةَ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ كَانَ ذَلِكَ طَلْقَةً بَائِنَةً , فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ تَرْجِعْ لَهُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ , مَا لَمْ تَقْصِدْ الْمَرْأَةُ بِرِدَّتِهَا فَسْخَ النِّكَاحِ , فَلَا يَنْفَسِخُ ; مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا . وَقِيلَ: إنَّ الرِّدَّةَ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ فَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّةُ الزَّوْجَةِ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ وَيَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ , فَإِذَا انْقَضَتْ بَانَتْ مِنْهُ , وَبَيْنُونَتُهَا مِنْهُ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ , وَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ فَوْرًا وَتَنَصَّفَ مَهْرُهَا إنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُرْتَدَّ , وَسَقَطَ مَهْرُهَا إنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ . وَلَوْ كَانَتْ الرِّدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَفِي رِوَايَةٍ تُنَجَّزُ الْفُرْقَةُ . وَفِي أُخْرَى تَتَوَقَّفُ الْفُرْقَةُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .
45 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا ارْتَدَّ ثُمَّ تَزَوَّجَ فَلَا يَصِحُّ زَوَاجُهُ ; لِأَنَّهُ لَا مِلَّةَ لَهُ , فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُسْلِمَةً , وَلَا كَافِرَةً , وَلَا مُرْتَدَّةً .
مَصِيرُ أَوْلَادِ الْمُرْتَدِّ:
46 -مَنْ حُمِلَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ , وَكَذَا مَنْ حُمِلَ بِهِ فِي حَالِ رِدَّةِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَالْآخَرُ مُسْلِمٌ , قَالَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ ; لِأَنَّ بِدَايَةَ الْحَمْلِ كَانَ لِمُسْلِمَيْنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , وَإِنْ وُلِدَ خِلَالَ الرِّدَّةِ . لَكِنْ مَنْ كَانَ حَمْلُهُ خِلَالَ رِدَّةِ أَبَوَيْهِ كِلَيْهِمَا , فَفِيهِ خِلَافٌ , فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ , وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , إلَى أَنَّهُ يَكُونُ مُرْتَدًّا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ فَيُسْتَتَابُ إذَا بَلَغَ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ بِالْجِزْيَةِ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ , وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مَا لَوْ كَانَ فِي أُصُولِ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهُ , وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا مَا لَوْ أَدْرَكَ وَلَدُ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ .
إرْثُ الْمُرْتَدِّ:
47 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ إذَا قُتِلَ , أَوْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أ - أَنَّ جَمِيعَ مَالِهِ يَكُونُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ , وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ , وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ . ب - أَنَّهُ يَكُونُ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , سَوَاءٌ اكْتَسَبَهُ فِي إسْلَامِهِ أَوْ رِدَّتِهِ , وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ . ج - أَنَّ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَمَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ , وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ لِانْقِطَاعِ الصِّلَةِ بِالرِّدَّةِ . كَمَا لَا يَرِثُ كَافِرًا ; لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الدِّينِ الَّذِي صَارَ إلَيْهِ . وَلَا يَرِثُ مُرْتَدٌّ مِثْلَهُ . وَوَصِيَّةُ الْمُرْتَدِّ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا مِنْ الْقُرَبِ وَهِيَ تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ .
أَثَرُ الرِّدَّةِ فِي إحْبَاطِ الْعَمَلِ: